تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
رؤية أجهزة الإستخبارات الصينية لتوقيت زيارة الرئيس الأثيوبى آبى أحمد للإمارات بعد الحرب الإيرانية لتوفير ممرات بديلة لطرق التجارة الصينية ولإستغلال الصين إنشغال واشنطن بتداعيات الحرب الإيرانية: وطرح إستراتيجية صينية جديدة (ما بعد هرمز وتعزيز رؤية السلام والتنمية فى منطقة القرن الأفريقى التى تطرحها الصين) بسبب الزيارة كأداة لمواجهة النفوذ الأمريكى والغربى فى مواجهتها: تعتبر بكين زيارة آبى أحمد للإمارات فرصة لتأمين طرق تجارية بديلة
تُشير القراءات الإستراتيجية والتقارير الإستخباراتية والعسكرية والدفاعية والأمنية المعنية فى الصين عام ٢٠٢٦، إلى أن زيارة رئيس الوزراء الأثيوبى “آبى أحمد” لدولة الإمارات ولقائه بحاكم الإمارات سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان فى مارس ٢٠٢٦، والتى تزامنت مع تداعيات الحرب الإيرانية، تُمثل فرصة ذهبية وفقاً للرؤية الصينية لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للتجارة العالمية بعيداً عن الممرات التقليدية المهددة، كمضيق هرمز. وهنا ترى الأجهزة الاستخباراتية والدوائر الإستراتيجية الصينية فى المحور الناشئ بين أديس أبابا والإمارات في أعقاب الحرب الإيرانية فى فبراير ٢٠٢٦، فرصة حيوية لإعادة تشكيل نفوذها في منطقة القرن الأفريقي والخليج، معتبرة إياه “ركيزة إستقرار” بديلة في ظل الإضطرابات التي ضربت شركاءها التقليديين في المنطقة. ويمكن تحليل رؤية الإستخبارات الصينية لهذا المحور، من خلال: (تأمين طرق التجارة والطاقة “ما بعد هرمز”)، وذلك لتجاوز الإختناقات فى حركة مرور النفط وسلاسل الإمداد العالمية والصينية.
وترى بكين أن التهديدات التي تعرض لها مضيق هرمز خلال الحرب الإيرانية جعلت من الموانئ التي تدعمها الإمارات في القرن الأفريقى (عبر إثيوبيا) ممرات بديلة بالغة الأهمية لتأمين تدفقات الطاقة والسلع الصينية، وهو ما يتماشى مع الدعم الصينى لسياسة (اللوجستيات البحرية الأثيوبية)، ونجد بأن الصين جددت دعمها لإثيوبيا فى يناير ٢٠٢٦ فى سعيها للوصول إلى البحر وتطوير اللوجستيات البحرية، وهو ما يتقاطع مع الإستثمارات الإماراتية فى موانئ المنطقة، مما يخلق شبكة أمان للمصالح الصينية. وهنا تعول الصين على الشراكة الإستراتيجية مع أثيوبيا لإيجاد طرق وممرات بديلة لحركة التجارة، بعد رفع الصين علاقتها مع أثيوبيا إلى “شراكة تعاونية إستراتيجية فى كل الأحوال” فى يناير ٢٠٢٦، وهى أعلى مرتبة دبلوماسية صينية، مما يعكس ثقة الإستخبارات الصينية فى صلابة النظام الأثيوبى كحليف إقليمى، وذلك عبر التنسيق مع الإمارات، حيث تنظر بكين إلى الإمارات كأكبر شريك تجارى لها فى المنطقة (حجم التبادل حوالى ٩٠ مليار دولار)، وتعتبر التنسيق الإماراتى-الأثيوبى وسيلة لتعزيز “رؤية السلام والتنمية فى القرن الأفريقى” التى تطرحها الصين.
وحللت الدوائر المعنية ومراكز الفكر الإستخباراتية والعسكرية الصينية، العلاقة بين توقيت زيارة الرئيس الأثيوبى “آبى أحمد” للإمارات ولقائه بالشيخ/ محمد بن زايد آل نهيان، فى ظل “الحرب الإيرانية” و”إنشغال واشنطن” بها، لذا تحاول الصين إستغلال الفراغ الأمنى فى منطقة القرن الأفريقى الحساسة للمصالح الصينية بالأخص، عبر دفع حليفها “آبى أحمد” لزيارة الإمارات لوضع (ترتيبات ما بعد مضيق هرمز)، بالنظر لحالة الإضطرابات الحادثة حول المضيق الذى تسيطر عليه إيران. وهنا ترى بكين أن إنخراط واشنطن فى تداعيات الحرب الإيرانية أضعف تركيزها على منطقة القرن الأفريقى، مما يمنح الصين فرصة لتعزيز نفوذها كشريك أمنى وإقتصادى بديل لتأمين سلاسل التوريد الصينية، خاصةً مع تزايد المخاطر في مضيق هرمز بسبب الصراع، ومن ثم، أصبحت الصين تنظر بجدية لتعزيز ممرات بديلة عبر القرن الأفريقى وتعزيز علاقات أثيوبيا بالجانب الإماراتى تحت إشراف ودعم الصين، لضمان تدفق حركة الطاقة والتجارة الصينية والعالمية على حد سواء.
وهنا وضعت الدوائر الإستخباراتية والإستراتيجية والفكرية فى بكين إستراتيجية جديدة تسمى “ما بعد هرمز” والممرات البديلة، والتى حاولت الصين إنجاحها من وراء الستار وربما بشكل غير مباشر، عبر تعزيز ودعم (محور “أديس أبابا – أبوظبى”)، وهنا تُحلل الصين خطوة هذه الزيارة لآبى أحمد للإمارات، كخطوة لتفعيل ممر تجارى جديد يربط بين الموانئ التي تديرها الإمارات فى القرن الأفريقى، مثل (ميناء بربرة) وبين العمق الأثيوبى، وصولاً إلى الأسواق العالمية، لتقليل الإعتماد على المضايق المهددة كمضيق هرمز الإيرانى. فضلاً عن قدرة هذا (المحور الأثيوبى الإماراتى) من وجهة النظر الإستخباراتية الصينية، على تعزيز “رؤية السلام والتنمية الصينية فى منطقة القرن الأفريقى”، حيث تروج الصين لإستراتيجيتها الخاصة بالقرن الأفريقى (المطروحة منذ عام ٢٠٢٢) كبديل للتدخلات الغربية والأمريكية، حيث تركز الصين على “الأمن عبر التنمية” وربط السكك الحديدية، مثل (خط أديس-جيبوتى) بالموانئ الإستراتيجية فى المنطقة، لضمان إستمرارية سلاسل الإمداد والتوريد الصينية للمنطقة ودفاعاً عن مصالح الصين وإستثماراتها عبر مبادرة الحزام والطريق الصينية.
كما ترى الصين فى زيارة “آبى أحمد” لدولة الإمارات، أداة فعالة من وجهة النظر العسكرية والإستخباراتية والأمنية الصينية، لمواجهة النفوذ الأمريكى والغربى. لذا تسعى بكين لتقديم نفسها كوسيط سلام فى منطقة القرن الأفريقى، عبر “مبادرة التنمية السلمية الصينية فى القرن الأفريقى”، مستغلة الإستثمارات الإماراتية والأثيوبية لترسيخ نموذج تعاون “جنوب-جنوب” يبتعد عن الشروط السياسية الغربية والأمريكية. ولضمان نجاح ذلك، تسعى الصين لإنجاح هذا (التحالف الثلاثى غير المعلن بين أثيوبيا والإمارات والصين)، ولذلك تهدف الصين من خلال دعم التقارب الإماراتى-الأثيوبى إلى بناء كتلة إقتصادية فى مدخل البحر الأحمر، مما يجهض محاولات واشنطن لعزل المنطقة أو التحكم فى ممراتها البحرية عبر مشاريع مثل “ممر آيمك”
(IMEC)
أى مشروع الممر الإقتصادى بين الهند والشرق الأوسط وإسرائيل وأوروبا
(India-Middle East-Europe Economic Corridor)
الذى تضرر بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
ولذلك، تسعى بكين إلى مواجهة النفوذ الغربى من خلال علاقتها بأثيوبيا والإمارات، لإيجاد نظام لقطب بديل، وهنا تقيم الأجهزة المعنية الصينية محور التقارب الأثيوبى الإماراتى، كأداة لتقليص الإعتماد على المنظومات الغربية والأمريكية، حيث تدعم الصين الجانب الأثيوبى فى مشاريع التكنولوجيا المتقدمة مثل “نموذج الذكاء الإصطناعى السيادى” والتحول نحو عملة اليوان الصينى فى تسوية الديون. كما تشجع الأجهزة الإستخباراتية والعسكرية الصينية لسياسة الإستقلال الدبلوماسى الأثيوبى والإماراتى على حد سواء، حيث تثمن الصين إلتزام أديس أبابا وأبو ظبى بمبدأ “الصين الواحدة” ورفضهما للتدخلات الخارجية، وهو ما يتماشى مع سياسة الإمارات على وجه الخصوص فى تنويع التحالفات بعيداً عن الضغوط الأمريكية التقليدية بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
ولكن على الجانب الآخر، تواجه الصين عدداً من التحديات الأمنية والإستثمارية كمخاوف عدم الإستقرار، فرغم التفاؤل، تحذر التقارير الصينية من “سوء التقدير” فى الشرق الأوسط الذى قد يؤثر على إستثماراتها الضخمة هناك فى إطار مبادرة الحزام والطريق الصينية، حيث إستثمرت الصين فى إثيوبيا وحدها أكثر من ١٣ مليار دولار فى التجارة والبنية التحتية. لذا تسعى الصين إلى سد الفجوة فى مواجهة واشنطن، وهنا تسعى أجهزة الإستخبارات الصينية والدوائر الإستراتيجية الصينية، لإستغلال إنشغال واشنطن بتداعيات الحرب الإيرانية لتعميق الروابط العسكرية والتكنولوجية مع هذا المحور الأثيوبى الإماراتى بالتحديد، بما فى ذلك مساعدتهم على التحول الكامل لإستخدام نظام الملاحة للأقمار الصناعية الصينية “بيدو”
BeiDou
كبديل لنظام الملاحة والأقمار الصناعية الغربية والأمريكية “جى بى إس”
GPS
الذى شهد تشويشاً واسعاً خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
ومن خلال التحليل السابق نفهم مستقبل التواجد الصينى فى منطقة القرن الأفريقى فى عام ٢٠٢٦، خاصةً مع ترحيب الصين بخطوة زيارة “آبى أحمد” للإمارات لإيجاد طرق وممرات بديلة لحركة التجارة والملاحة العالمية لمواجهة التحديات والتعقيدات والضغوط الراهنة أمام الصين، خاصةً مع تزامن زيارة “آبى أحمد” للإمارات مع إطلاق “عام التبادل الشعبى بين الصين وأفريقيا ٢٠٢٦” مما يعزز من القوة الناعمة الصينية. ومن ثم، تراهن الصين على أن إستقرار أثيوبيا عبر الدعم الإماراتى لها، سيحمي إستثماراتها الضخمة فى البنية التحتية القارية، ولاسيما فى منطقة القرن الأفريقى الحساسة للمصالح الصينية.