في شرحه الحب، نجد دريدا تحدث عن الإشكاليات التي تعتري هذا المفهوم، وتحدث عن بدايته المتمثلة في «الإغراء»، وانتهائه المتمثل في «خيبة الأمل»، أو بما نسميها بالشعبي «خيبة تعب»، كما قال أحد الشعراء عندما ذهب ليخطب امرأة، ورفضت الزواج منه، فتمثل قائلا: «يا طرشةٍ ما بها فودي … حوّلت من ضبع ببواعه». أيضاً، لم يتحدث عن أن الحب ليس اختيارا عقلانيا واعيا.
وأبلغ من عبر عن ذلك الشاعر بدر بن عبدالمحسن – رحمه الله – في قصيدته التي غناها محمد عبده عندما قال:
«ابعتذر عن كل شي … إلا الهوى ما للهوى عندي عذر … تصدقي ما اخترت أنا أحبك … ما حدٍ يحب اللي يبي».
كما أن حالة الحب نادرة واستثنائية، لا يمكن التنبؤ بها أو مقاومتها، وعبر عنها الشاعر جزا بن صالح الحربي -رحمه الله- بقوله: «الحب مثل النوم، والنوم سلطان… والله بلاني في محبتك بليا… كني كسيرٍ شم له عود ريحان… نوبٍ يفيق ونوب يذهل ذهليا».
وعلى الرغم من ذلك، فإن ما يهم الكثيرون ليس معرفة بداية الحب ولا نهايته، ولا حالته الشعورية المباغتة، وإنما كيفية المحافظة عليه لأطول مدة ممكنة.
في مقالي «الحب والعدالة» هنا في صحيفة «الوطن»، بتاريخ 16 يناير 2022، ذكرت أن «العلاقات التي يقوم أساسها على العاطفة، قد تدوم لمدى زمني بعيد إذا قامت على مبدأ «المقايضة» أو «المبادلة» أو «المعاوضة»، وهو مبدأ فقهي-قانوني يعني «بيع السلعة بالسلعة»، بمعنى أن نأخذ شيئا من شخص ما ونعوضه بشيء مثله أو أفضل منه، سواء بالقيمة أو النوع. فبمثل هذه العلاقة يتولد شعورا بـ«التبعية المتبادلة» أو «الاستدانة المتبادلة»، كما وصفها بول ريكور؛ أي أن كل طرف بالعلاقة يشعر بأنه مدين للآخر».
هذه «الاستدانة المتبادلة»، التي يتحدث عنها ريكور، لا تعني أن العلاقة تتحول إلى صفقة تجارية جافة، بل تعني أن العلاقة العاطفية تحتاج إلى ميزان معاوضة، يقوم على الأخذ والعطاء. فالعلاقة التي تقوم على العطاء من طرف واحد، سرعان ما تتحول إلى عبء نفسي، لأن الإنسان بطبيعته يميل إلى الشعور بالعدل.
فالحب قد يبدأ بالإغواء -كما وصفه دريدا- وقد ينتهي بخيبة الأمل. لكن ما يطيل عمره هو أن يتحول إلى معادلة أخلاقية نظامها التبادل العادل: عطاء يقابله عطاء، واهتمام يقابله اهتمام. فحين تختل هذه المعادلة، يتحول الحب إلى علاقة غير متكافئة، ويبدأ أحد الطرفين بما يسميه علم النفس «الإنهاك العاطفي»، وهو شعوره بأنه يدفع ثمن العلاقة وحده، وهنا يظهر الفرق بين الحب بوصفه شعورا، والحب بوصفه نظام علاقة أو عقد معاوضة معنوي. فالشعور قد يأتي فجأة، كما يأتي النوم الذي وصفه الشاعر «جزا» بأنه «سلطان». أما العلاقة فهي بناء يحتاج لميزان عادل. إنها حالة أشبه بما وصفها الشاعر أسير الشوق في قصيدته التي تغنى بها محمد عبده: «اختلفنا من يحب الثاني أكثر… إني أكثر وإنك أكثر… لو تزاعلنا نسامح… الهوى شي مقدر».