فالمتبرع حين يقدّم صدقته إنما يفعل ذلك بدافع إنساني خالص، متطلعًا لوصولها إلى الأشد حاجة من المعوزين والأسر التي لا تملك مصدر دخل، لا أن تتحول إلى مسارات أخرى تستنزف جزءًا من أموال الصدقات والزكوات.
المشهد الخيري في السنوات الأخيرة شهد تحولات لافتة مع توسع الحملات الرقمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حتى أصبح بعض العمل الخيري يُدار أحيانًا بمنطق التسويق الإعلاني أكثر من منطق الرسالة الإنسانية.
ففي بعض الحملات الموسمية خصوصًا في شهر رمضان حيث تتضاعف الصدقات والزكوات، يتم التعاقد مع مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي لترويج الحملات، مقابل نسب مالية تُستقطع من قيمة التبرعات نفسها، وقد تصل في بعض الحالات إلى ما بين 30٪ و50٪ من إجمالي المبالغ المتبرع بها.
وهنا تتحول الصدقة – التي يفترض أن تذهب في معظمها إلى المحتاجين – إلى مورد تمويلي للحملات الإعلانية والظهور الرقمي.
و أثار الممثل فايز المالكي نقاشًا واسعًا عندما كشف أن إحدى الجمعيات الخيرية عرضت عليه مبلغ ثلاثة ملايين ريال، مقابل تقديم إعلان لصالحها، ورفض العرص وحذر منه دون ذكر اسم الجمعية.
هذه الواقعة تطرح سؤالًا مباشرًا: هل الأولى أن تُصرف هذه المبالغ على الإعلانات؟ أم الأولى أن تصل إلى الأسر المحتاجة والمعوزين الذين ينتظرون العون الحقيقي؟
كما أن تحذيرات وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد الدكتور عبداللطيف آل الشيخ من التوسع غير المنظم في جمع التبرعات، تعكس إدراكًا رسميًا لخطورة بعض الممارسات التي قد تستغل ثقة المجتمع وحسن نية المتبرعين، خصوصًا عندما تتحول التبرعات إلى حملات إعلانية تُمنح فيها نسب مالية لمشاهير وسائل التواصل الاجتماعي ، تقتطع من أموال المحسنين أنفسهم.
معالجة هذه الإشكالية تتطلب تعزيز الحوكمة وتنظيم مسارات التبرع. ومن أهم الحلول المقترحة، توحيد التبرعات عبر المنصات الوطنية الرسمية مثل ” منصة إحسان” و” منصة جود الإسكان”، لتكون هي القنوات المعتمدة لاستقبال التبرعات، وإدارتها بشفافية ورقابة عالية.
في هذا النموذج، يمكن ربط جميع الجمعيات بهذه المنصات، وإيقاف الحسابات المباشرة لجمع التبرعات ،لينصب دور الجمعيات على دراسة الحالات الإنسانية الأكثر عوزًا واحتياجًا، والتحقق من استحقاقها ورفعها للمنصات الرسمية، بينما تدار الأموال وتصرف عبر نظام مركزي شفاف، يضمن وصولها إلى مستحقيها.
حماية العمل الخيري، تعني حماية قيمة الصدقة نفسها ، فالعطاء الذي يقدمه المحسن يجب أن يصل إلى الفقير والمحتاج، لا أن يتحول إلى سوق إعلاني، أو سباق للظهور الرقمي.
عندما تتكامل الحوكمة مع الشفافية، وتُدار التبرعات عبر منصات وطنية موثوقة، ستبقى الصدقة عطاءً خالصًا يصل إلى مستحقيه، قبل أن يتحول إلى محتوى رقمي.