البيئة الاجتماعية قبيل الفتح الإسلامي كانت منغلقة ومحصورة في طبقة الكهنة والنخبة، مع غياب للشبكات العلمية المفتوحة، وانحصارها في البلاط وعند الكهنة، ما يعني أن الموهبة الفردية مهما كانت قوية تبقى مكبوتة، ولا تصل إلى مستوى إنتاج علمي ضخم.
كانت اللغة الفهلوية بلا تراث مادي مكتوب، والمجتمع الفارسي يفتقر للتنوع العرقي والثقافي، والمعرفة غير متاحة للعامة، ولو وُجد سيبويه في البيئة الفارسية القديمة قبيل الفتح، فمن المرجح أن موهبته الفردية لم تكن لتتحول إلى إنجاز علمي بمستوى عالمي مثل كتابه «الكتاب». فالموهبة الفردية وحدها لا تكفي، بل البيئة التي تحرر الإمكانات، وتحولها إلى إنجاز علمي عابر للعرقيات والثقافات.
الفتح الإسلامي لم يكن مجرد حدث سياسي عابر، بل أطلق طاقات غير محدودة، فالبيئة الاجتماعية أصبحت بيئة مفتوحة علميا، وتمتلك لغة عالمية مشتركة للعلم والكتابة، وتحتضن مناظرات وحلقات علمية وتفاعل ثقافات متعددة.
هذه البيئة كانت المفتاح السري لإبداع سيبويه، لأنها وفرت مادة علمية شاملة، ومنصة ضخمة للنقاش والمناظرات. ومع البيئة الفارسية القديمة، التي تفتقر للبيئة الثقافية المفتوحة والمتنوعة التي انعكست على قلة المناظرات والحلقات العلمية، تضاف لها لغة محدودة الانتشار بلا تراث مادي مكتوب.
ظاهرة بروز علماء من أصول غير عربية، مثل سيبويه، في الحضارة العربية الإسلامية تكشف أن الإبداع العلمي لا يرتبط بالأصل العرقي بقدر ما يرتبط بالبيئة الاجتماعية والثقافية التي تحتضن الموهبة. فالحضارة التي تفتح أبواب المعرفة للجميع، وتسمح بالتفاعل الثقافي بين مختلف أطياف المجتمع، هي التي تنتج العلماء والمبدعين.
سيبويه عاش حياته في المجتمع العربي الإسلامي، وهو مجتمع أكثر انفتاحا وأوسع جغرافيا وأغزر إنتاجا للكتب من المجتمع الفارسي القديم. في بيئة لم يكن الاختلاف العرقي عائقا أمام الترقي العلمي، فهي حضارة متعددة الأعراق (سريان – فرس – أمازيغ – ترك)، وكلهم شاركوا في إنتاج المعرفة تحت مظلة اللغة العربية.
في المقابل، لم يكن النشاط العلمي في المجتمع الفارسي واسع الانتشار اجتماعيا، والمعرفة كانت غالبا مرتبطة بالنخب الدينية الزرادشتية ورجالات البلاط، أي أن العلم لم يتحول إلى حركة ثقافية عامة في المجتمع، ولم يجد لغة عالمية تحتضنه. عاش سيبويه في بيئة علمية نشطة، حيث لم يكن العلم محصورا بين النخب الدينية، بل كان منتشرا في المساجد والمدارس وحلقات النقاش ومجالس المناظرات في بلاد متعددة كبغداد والبصرة والكوفة ودمشق وقرطبة ومصر، التي تحولت إلى مراكز علمية عالمية آنذاك.
سمحت البيئة الإسلامية الجديدة بالاندماج المبكر لشعوب ذات الأصول غير العربية، ما أتاح لشخصية كسيبويه بالمشاركة في الحياة الثقافية الجديدة التي كانت تتشكل باللغة العربية. فالفرس لم يتعاملوا مع العربية كلغة أجنبية، بل تبنوها كلغة انتماء وثقافة، وبالتالي كلغة للعلم والكتابة. فلم يكن الأصل العرقي لسيبويه عائقا أمام الاندماج المبكر وتحقيق المكانة العلمية، ولهذا استطاع وهو عالم ذو أصول فارسية أن يكتب أهم كتاب في تاريخ النحو العربي.