كان والدي يعمل هناك، وكنت طفلًا يصلني ملبسي ومأكلي منها. وحين مرضت في طفولتي كسائر الأطفال تم إسعافي إلى مستشفى اكتشفت لاحقًا أنه بُني على نفقة السعودية. وحين كبرت قليلًا وذهبت إلى أول مدرسة ابتدائية في حياتي اكتشفت أن المدرسة نفسها قد بُنيت أيضًا على نفقة السعودية.
لهذا أستغرب كثيرًا حين أصطدم في مواقع التواصل الاجتماعي بأصوات حاقدة من أبطال الديجيتال الإلكتروني وهم يهاجمون السعودية، فتنتابني الحيرة: أي سعودية يقصدون؟ هل تلك التي عرفناها في حياتنا اليومية كيمنيين، أم سعودية أخرى اخترعوها في بطولاتهم الوهمية خلف الشاشات، حيث الشجاعة لا تحتاج إلى أكثر من نت مفتوح على بياض وشاشة هاتف للاختباء خلفها.
أحيانًا، وأنا أقرأ تلك البطولات الإلكترونية، يخيل إليّ أنهم يستعيرون من أم كلثوم كلمات أشهر أغنياتها بعد تعديل بسيط يناسب حالتهم، فيرددون دون أن يشعروا:
هل رأى الحقد سكارى مثلنا؟ كم بنينا من خيال حولنا.
ولهذا أعتقد أن مثل هؤلاء قبل أن يخوضوا معاركهم الإعلامية ضد السعودية لا يحتاجون إلى بيانات سياسية ولا مؤتمرات صحفية، بل يحتاجون فقط إلى لافتة بسيطة مكتوب عليها:
ولا تقتربوا من السعودية وأنتم سكارى بالحقد. وشخصيًا، واستجابة لواجبي الوطني في مثل هذه المعارك الإلكترونية، لا أنسى أن أقوم بالحظر ثم أنام.
ولا أخفيك عزيزي القارئ أنه قبل فترة كنت في أحد القطارات في ألمانيا. كانت تجلس بجانبي سيدة ألمانية فسألتني بصوت ودود: من أين أنت؟ فأجبتها بلغتي الألمانية التي لا يشبهها إلا سيارة تعرضت لألف حادث ولم يبق منها إلا الإطارات، والمهم أنها لا تتجه نحو الطريق المنحدرة، قلت لها: أنا من اليمن.
لكنها ارتبكت قليلًا وسألتني:
وأين تقع اليمن؟
ولأخرج من هذا المأزق قلت لها: نحن بجوار السعودية.
فورًا قالت: آه، عرفتها.
شكرًا للسعودية التي جعلت تلك السيدة الألمانية تعرف اليمن، وأنقذتني في الوقت نفسه من زوجتي التي كانت تراقب الحوار بنظرات فيها من الغيرة أكثر مما فيها من الاهتمام بالجغرافيا، دون أن تهتم أين تقع اليمن بقدر اهتمامها أين أجلس أنا.
ابتسمت يومها لأنني فهمت شيئًا بسيطًا: أن بعض الدول يحتاج الناس إلى خريطة ليعرفوها، وبعضها يكفي أن تذكر اسمها فقط. ولهذا كلما سمعت أحدا في السوشيال ميديا يحدثنا عن السعودية بحقدٍ مدفوع الثمن، أتذكر تلك السيدة الألمانية في القطار.
وأبتسم قائلا: إنها السعودية فمن أنتم؟