والفرحُ انفعالٌ في النفس تظهر آثاره على الجسم، وهو ضدُّ الحزن، والحزن معروف لدى الناس، لا يختلفون في تصوُّره ولا في استحضاره أو وسائل التعبير عنه. والشيء الذي يُفرِح الرجل غير الذي يُفرِح الطفل، وما يُفرِح امرأةً قد لا يُفرِح أخرى. وقد يختلف الناس في وسائل التعبير عن الفرح، لكنهم يجتمعون في أن ما يشعرون به من لذّة وبهجة وسعادة يُسمّى فرحًا.
وقد يعتقد البعض أن الفرح ليس له نصيبٌ في الإسلام، وأن الإسلام يخاصم الدنيا ويتخذ منها موقفًا سلبيًا، وأنه يدعو للتبتّل ولبس الرثّ من الثياب والاقتصاد في المعيشة، وأن المسلم يقسو على نفسه، ويظل يحاسبها ويعاقبها في كل صغيرة وكبيرة، وهذا سوء فهم كبير. فالإسلام يوجّه المسلم للآخرة، ويدعوه للعمل من أجلها، وفي الوقت نفسه يدعوه للسير في الأرض والتفاعل معها، عملًا واستمتاعًا وإبداعًا، بطريقة متوازنة ووسطية تمثل واحدةً من أهم المعالم البارزة للإسلام تجاه القضايا المختلفة.
الإسلام دين واقعي لا يُغفل الواقع ولا ينفصل عنه، ولا يحض أتباعه على الملائكية أو المثالية، بل جاء ليمد جسور التواصل بين الإنسان وواقعه، مراعِيًا الغرائز البشرية وما جُبلت عليه، فلم يقيّد حركاتهم وسلوكهم بحيث لا يتكلمون إلا ذكرًا، ولا يسمعون إلا ذكرًا، ولا يقضون أوقات فراغهم إلا في المساجد، بل يدعوهم لقضاء أوقاتهم بحسب طبيعتهم البشرية بين الجد والهزل والفرح والمرح والضحك ونحوه، بحيث يجدون لأنفسهم ملاذًا يأوون إليه من قسوة الحياة وغلظتها.
ولقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثال في الجمع بين الدنيا والدين، فعلى الرغم من حياته القصيرة ومهمته الكبيرة في إبلاغ هذا الدين وتعليم أصحابه وأتباعه تعاليمه، فإن حياته كانت صورة جميلة ولوحة بديعة لما ينبغي أن تكون عليه حياة إنسان؛ فلم يكن غليظًا أو جافًا ولا قاسيًا أو فظًا، بل كان يمزح ويفرح ويهشّ ويلعب، ويُدخل الفرح والسرور على قلوب أتباعه بما يمكنه من الوسائل والأساليب.
وكان له عليه الصلاة والسلام مع الأطفال لون آخر من الملاعبة والملاطفة، ورسم البسمة على وجوههم، وإدخال الفرحة في قلوبهم، وله في ذلك مواقف كثيرة نجدها في مواطنها من كتب السيرة والحديث النبوي.
وقد حرص الإسلام في مختلف المناسبات على أن يكون المسلمون في مناظر بهية، ووجوه ناضرة تتلألأ من الفرح، فتظهر بسمة الأعياد وفرحتها، وفي الطرقات يمرح الأطفال ويلعبون، وتعمّ الفرحة أرجاء القرى والمدن ونحوها. لذا فقد كان من سنن الإسلام في العيد التطيب والتجمّل، ولبس أحسن الثياب، وملاقاة الناس، ومصافحتهم والسلام عليهم، ونسيان الخلافات، والبعد عن كل ما يسبب الشحناء والبغضاء.
خلاصة الأمر أن الفرح في الإسلام ليس حالة استثنائية، ولا تركا للجدية، أو خروجًا عن روح العبادة وجوهرها، بل هو منهج يراعي في الإنسان مختلف مشاعره وحالاته. يريد للإنسان حياة متوازنة، يجد فيها متسعًا للفرحة والضحك والهزل كما يجد وقتا للتفكير والتأمل، ويجد فيها لحظات للراحة والاستجمام، تماما كما هي أوقات العمل والاجتهاد.
والفرح في الإسلام قيمة منضبطة، وشعور مشروع، وعبادة تقترن بالشكر، وسلوك راقٍ يتجلى في إدخال السرور على الآخرين، ليؤكد أن هذا الدين جاء رحمةً للعالمين، يراعي فطرتهم، ويبني إنسانا متوازنا في دنياه وآخرته.