بعبارة أخرى: قلَّ التسامح، والتفهّم، والهدوء، والرضا، والتحمّل، والتجاهل، والتوازن، والتغافل، والصبر، وضبط النفس، وما شابهها من مرادفات؛ فصار الكثيرون –وليس الجميع– كالبارود الجاهز للاشتعال أو الانفجار مباشرة مع أول شرارة تقترب منه، أو حرارة تلامسه، أو ضغط يتعرّض له، حتى في أتفه المواقف وأبسط المواضيع.
وبمقارنة واقعنا الحالي –من هذه الزاوية تحديدًا– مع حياتنا السابقة قبل عشرين أو ثلاثين سنة أو أقلّ قليلًا، ألاحظ أنّ الناس في الزمن السابق الذي عشتُ فيه بدايات شبابي، كانوا أكثر سلامًا ومحبة وتعاطفًا ورحمة وتفهمًا وصفاءً ونقاءً وتسامحًا، وتجاهلًا للصغائر وتغافلًا عن التفاهات… إلخ.
هذا لا يعني أنّ جميعَ الناس كانوا أفضل –من هذه الناحية– في الزمن السابق، ولا يعني أيضًا أنّ جميعَ الناس في حياتنا الحالية أسوأ. ولكني أرى من المواقف والأحداث والقصص والأخبار في وقتنا هذا، ما يجعلني أعتقد أنّ الناس –بشكل عام وليس الجميع– أصبحوا على درجة عالية من الاحتقان والجاهزية للانفعال والمشاكل.
بحثتُ عن السبب، فلم أجد أوضح ولا أقرب من التوسّع والتطوّر الهائلين في الأجهزة والتقنية ووسائل التواصل الإلكترونية والتعاملات الحاسوبية والإنترنتية والرقمية، التي أصبحتْ تسيطر على حياة الكثيرين، الذين يقضون أوقاتًا طويلة في استخدام أجهزتهم ومتابعة مواقع التواصل والاحتكاك بالناس فيها، والتأثر والتأثير المتبادل مع الآخرين.
أحنُّ أحيانًا –وأنا على أبواب الخمسين من عمري– إلى عصر ما قبل ثورة الإنترنت والاتصالات والأجهزة الذكية، فقد كانت الحياة –في نظري– أكثر بساطة، وأفضل وأجمل من نواحٍ متعددة يطول شرحها.
لا يعني هذا أنّ الثورة التقنية والحاسوبية لم تنفعنا، ولا يعني أنّني لا أستمتع وأستفيد –كغيري من الناس– بواقعنا الذي أصبح الإنسان فيه يقوم بغالب أموره من خلال جهازه أو هاتفه أو حاسوبه. الأمر ممتع جدًا، ونافع جدًا؛ ولكني أعتقد أنّه تسبّب مع عوامل أخرى، إلى وصولنا إلى هذه الحالة الاحتقانية إن صحَّ التعبير.
وقد يختلف معي البعض في اعتقادي أنّ للتطوّر التقني والتوسّع الإنترنتي دورًا كبيرًا في هذا الاحتقان، ولكني لا أظن أنّ الكثيرين يختلفون معي في وجود هذا الاحتقان العام، الذي قد تختلف وجهات نظرنا في صوره وأسبابه.
قد تكون هناك أسباب أخرى يراها البعض أكثر تأثيرًا من الأجهزة والتعاملات الإلكترونية والرقمية، ولكني أظنّ أنّ السبب الأبرز هو التوسّع والتطوّر الهائلان في التقنية وأجهزتها الإلكترونية ووسائل وتطبيقات التواصل، التي لم تكن موجودة قبل عقود قليلة قريبة.
اطّلعتُ على بعض الدراسات حول «الاحتراق الرقمي»، وخلاصة ما فهمته هو أنّ كثرة التنبيهات والمعلومات التي نحصل عليها بشكل متسارع ومتتابع، قد تؤدي إلى حالة من الاستنفار الدائم للجهاز العصبي، أي أنّ أجهزتنا العصبية تصبح في حالة من الكرّ والفرّ المستمرين، ممّا يرفع مستويات هرمون التوتر الذي يعرف بـ«الكورتيزول» وغيره، فيحصل لدينا تلف تدريجي في القدرة على التركيز والفهم والصبر والتحمّل.
إضافة إلى اضطرابات النوم، فالانشغال الذهني الطويل بما تبثه الأجهزة، والضوء المنبعث من الشاشات أيضًا، كل ذلك وغيره، ثبت في دراسات أنه يعطّل إفراز «الميلاتونين» وغيره، مما يمنع الجهاز العصبي من الهدوء ليلًا أو عند الخلود للنوم.
إنّ ما يمكن تسميته بالإدمان الرقمي، ثبت في دراسات أنّ له الكثير من الأضرار، لأنه ببساطة يحفز «الدوبامين» بشكل متواصل وغير طبيعي، مما قد يغيّر من كيمياء الدماغ وطريقة استجابة الأعصاب، فيؤدي إلى كثير من المتاعب والمشاكل.
ومن المصطلحات التي ظهرتْ مؤخرًا ويعرفها المختصون في المجال الطبي: «الخرف الرقمي» ومعناه ببساطة أنّ الإفراط في استخدام التقنية الإلكترونية والاعتماد عليها، ثبت أنه قد يؤثر على ذاكرة الإنسان وقدراته المعرفية.
لن أحاول تقديم حلول عامة، فالشق أكبر من الرقعة كما يقال؛ ولكني أقترح لمن أراد التجربة والتأكد، أن يخفف قليلًا أو كثيرًا من استخدام الأجهزة والهواتف الذكية والحواسيب وكل ما يدخل في هذه الدائرة الإلكترونية. جرّبوا التخفيف أو الابتعاد عن تلك الأجهزة قدر المستطاع، وانظروا إلى الأثر والنتيجة، فقد يكتشف الكثيرون أنّ لذلك التخفيف دورًا واضحًا في استقرار الأعصاب وهدوء النفس والسكينة وراحة البال، والتمتع بمزاج ألطف وبحياة أفضل وبقدرة أكبر على ضبط الانفعالات وردود الأفعال.