كما أننا نعمل بدلائل الكتاب المبِين والسنة المطهرة، وليس لدينا تجاوزٌ لهما بأي حال من الأحوال، وكل ما خالفهما فمردود أياً كان، سواء أقبلته عقول بعضنا أو ردته، فالعبرة بالكتاب والسنة وليس بعقول أفرادنا؛ ولو توخينا التأمل لوجدنا العقل الصريح موافقاً للنقل الصحيح، وهذا ديننا.
لكن لأننا كذلك، نجد الكثير من المسلمين اليوم يتوجهون إلينا بالنقد، وينفخون فيما يعتقدون أنه خطأ، ولو لم يكن جاء من بيننا فينسبونه إلينا، لأننا نحن من هيئنا الناس له ودعوناهم إليه هذا في زعمهم.
أضرب لذلك مثالاً ؛ رجلٌ من أهل مصر تكلم في مصر بشكل سافر عن أبوي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدنا الناس في المشرق والمغرب يتوجهون إلى المنهج السلفي ثم إلى الأرض التي أرسلت المنهج السلفي؛ هذا مع أن السلفية لا تقر الهجوم على أبوي الرسول الكريم والتشنيع عليهما، وذكرهما بالشيء المكروه، وذلك أدباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وامتثالاً لقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذينَ يُؤذونَ اللَّهَ وَرَسولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُم عَذابًا مُهينًا﴾ [الأحزاب: 57] ذلك مع إثباتنا ذلك المكروه عليهما امتثالاً لما سمعناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال كما في صحيح مسلم 1/ 163 وأبو داود:5/ 235:ط عوامة، وغيرهم، (إن أبي وأباك في النار) وقوله عليه الصلاة والسلام: (استأذنتُ ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت)صحيح مسلم،2/ 671 والمسند لأحمد رقم:23003.
ومضى هذا المعتقد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته وصحابته والتابعين ثم الأئمة المعروفين كالأوزاعي والسفيانين وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأئمة الحديث كابن أبي شيبة وعبدالرزاق والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وعشرات الناس في تلك الأعصار وما بعدها؛ ولم يبدأ التغير إلا عندما نحا. الصوفية بالعقيدة الإسلامية منحى آخر يناقض بعضه بعضا لكنه ينتهي عند نقطة واحدة هي التي انتهى عندها الحلاج ومحيي الدين ابن عربي وابن الفارض والسيد البدوي وهي ضياع الدين تحت مسمى التوحيد.
فبدأ الصوفية يزعمون أن كفر والدي رسول الله لا يتناسب مع رسالته منكرين النصوص تارة ومأولين لها أُخرى ؛ ثم تجرأوا في كتابة التآليف في ذلك ومن أشهرها كتب جلال الدين السيوطي: التعظيم والمنة في أن أبوي النبي في الجنة، وكتاب مسالك الحنفا في والدي المصطفى، وغيرها من الكتب.
وقد رد على السيوطي، رحمه الله، العلامة مللا علي القاري في كتابه: معتقد أبي حنيفة في أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وهو كتاب نقل فيه إجماع السلف والخلف على خلاف السيوطي ونقل ذلك بأسماء العلماء رحمهم الله؛ وإن كان قد تابع السيوطي أناس كبار كابن حجر العسقلاني وابن حجر الهيتمي وغيرهم فإن إشاعة الصوفية لهذا الأمر وتعلق العامة بهم جعلت خلاف هؤلاء عسيراً.
وفي هذا العصر الذي أعز الله فيه منهج السلف بعز هذه الدولة المباركة ظهرت بعض الردود على كتاب السيوطي وعلى الحكم نفسه ككتاب: نقض مسالك السيوطي في والدي النبي صلى الله عليه وسلم للدكتور أحمد بن صالح الزهراني.
لكن خصومهم خرجوا عن القول بكونهما في الجنة أو القول إنهما من أهل الفترة وسوف يمتحنان وينجوان، إلى الاستشفاع بهما وسؤال الله أن ينزلهم منزلهما، وهذا الأمر لعله أغاظ أناساً رغبوا في بيان الحق فتكلموا بكلام حق لكنه لا ينبغي أن يقال، لأنه في أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وكان الأولى لو نَصَح الرجلُ أولئك بأسلوب أرفق، لا رعايةً لهم بل رعايةً لجناب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن عجيب الأمر أن تُصدر دار الإفتاء في مصر بيانا يشهدون فيه على نجاة أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم، وكأنهم لا يعلمون إجماع السلف والخلف على غير ذلك، لكن لا نقول إلا نسأل الله أن يهدينا وإياهم سبل الرشاد.
وكان المفترض فيهم أن يذكروا أن هذه المسألة لا طائل وراءها ولا يترتب عليها فضيلة ولا عمل، وأن يذكروا أحاديث رسول الله في ذلك، وينتهي عندها الأمر ؛ وما أفعله في هذا المقال هو هذا، وأنهى من ينتهي عن الكلام فيهما فوق ما قاله رسول الله، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.