الحب ليس فكرة عابرة، بل مكوّن أساسي يجعل الوصفة نفسها مختلفة، هو ما يجعل الطعام أشهى حين يُقدَّم من يد الأم، وأكثر دفئًا حين يأتي على مائدة الجدة، وأجمل حين يُحضَّر داخل بيتٍ يسكنه الاهتمام، وهو أكثر كرمًا حين يُرسل مع طفل الجيران كنغصة في رمضان، بلا مناسبة، وبلا انتظار شكر.
يبدأ هذا الحب من الأب.. من لحظة ذهابه إلى السوق، وهو يشتري المكونات بعناية، يفكر فيمن سيجلس حول المائدة، ويدعو الله أن يبارك هذا الطعام وأن يجمع به القلوب، ثم ينتقل الحب إلى يد الأم، في الإعداد، والطهي، وترتيب السفرة، وتلبيه الرغبات لكل فرد في العائلة، حتى يصل إلى لحظة التقديم.
ويظهر الحب أوضح ما يكون عندما نجتمع حول طبق واحد، نأكل معًا، ونتشارك الوقت والحديث، فتصبح الوجبة مساحة للطمأنينة، لا مجرد طعام.
ومع اقتراب شهر رمضان، يتكرر هذا المشهد على موائد كثيرة.. الحب هو ما يجمع الناس، وما يدفع البعض لمدّ الموائد الرمضانية وإرسال السلال، رغبة في الأجر، ورغبة أكبر في المشاركة، لكن ضغوط الحياة الحديثة غيّرت الكثير من هذه التفاصيل، أصبح الطعام يُطلب من الخارج، ويأكل كل فرد بمفرده، أطباقًا لم تُشترَ مكوناتها بحب الأب، ولم تُطهَ بحب الأم، ولم تُؤكل بدفء العائلة، طعام سريع، لكنه بلا روح.
تزامن عيد الحب ( 14 فبراير) مع قرب شهر رمضان ليعيد إلينا الحنين.. حنينًا إلى نغصات الجيران البسيطة، التي لم تكن تُقاس بقيمتها، بل بما تحمله من معنى.
ورغم ذلك، يبقى رمضان استثناءً؛ فحب المشاركة فيه يعيد الأهالي إلى الموائد، يعيد الأب والأم لضخّ الحب في الأطباق والموائد.. نريد طبقًا فيه بعض السمبوسة مغطّى بالقصدير.. ونريد طبقًا من اللقيمات ناقصا بعض الحبات، لأن طفل الجيران أكل منها في الطريق.. ونريد حافظة صغيرة فيها من شوربة الجيران، لأنهم يعدّونها بحب كامل.
أعيدوا لنا الحب في كل الأطباق.. فهو المكوّن الذي لا يُكتب في الوصفة، لكنه يصنع الفرق.