لم تعد الثقافة في المملكة العربية السعودية مجرد نشاط موسمي أو فعالية عابرة، بل أصبحت مشروعاً وطنياً متكاملاً يُعيد صياغة الهوية، ويعزز حضور المملكة الحضاري أمام العالم. ومنذ تأسيس وزارة الثقافة عام 2018، بدأت ملامح هذا التحول تتجلى بوضوح عبر هيئاتها الإحدى عشرة التي تعمل بتناغم يشبه أوركسترا وطنية، تعزف لحن المستقبل بثقة وفخر.
ما يثير الإعجاب أن هذه الوزارة لم تنظر إلى الثقافة بوصفها ترفاً، بل باعتبارها استثماراً في الإنسان السعودي، وفي صورته وثقته بنفسه، وفي قدرته على الإبداع والمنافسة عالمياً. لقد أعادت للتراث مكانته، وفتحت للفنون آفاقاً جديدة، وجعلت الثقافة جزءاً أصيلاً من حياة المجتمع اليومية.
من خلال هيئة التراث وهيئة المتاحف وهيئة المكتبات، نشهد عودة الذاكرة الوطنية إلى الواجهة، حيث تُرمم المواقع التاريخية، وتُوثّق الحِرف التقليدية، ويُعاد إحياء الفنون الشعبية، وكأن الوطن يستعيد صفحات من تاريخه، ليقدّمها للأجيال القادمة بثوب معاصر يليق بمكانته. إن تسجيل مواقع سعودية متعددة في قائمة التراث العالمي لم يكن مجرد إنجاز دولي، بل رسالة حضارية تؤكد أن لهذه الأرض جذوراً ضاربة في التاريخ، وأن أبناءها عازمون على صونها والاعتزاز بها.
وعلى الجانب الآخر، أخذت هيئات الأفلام والموسيقى والمسرح والفنون البصرية والأزياء والعمارة والتصميم زمام المبادرة لفتح آفاق جديدة أمام المبدعين السعوديين، فظهرت مواهب كانت تنتظر الضوء، وانطلقت أعمال تنافس عالمياً، وأصبحت المملكة محطة للفنانين وصناع الثقافة من مختلف الدول. إن مشهد الأوركسترا السعودية وهي تعزف في الخارج، أو مهرجان سينمائي يستقطب نجوم العالم، أو عرض مسرحي يملأ القاعة بالجمهور، كلها صور تعكس ثقة متنامية بأن الثقافة السعودية لم تعد محلية التأثير فحسب، بل عالمية الحضور.
ولعل زيارتي مهرجان البشوت في الأحساء، بدعوة كريمة من الدكتور جاسر الحربش، الرئيس التنفيذي لهيئة التراث، قد زادت إعجابي بهذه الوزارة وهيئاتها، إذ لمست عن قرب كيف يمكن لفعالية ثقافية أن تحوّل منتجاً تراثياً أصيلاً إلى قصة وطنية تُروى، وأن تربط الحرفة بالمكان، والتاريخ بالإنسان، والفخر بالمستقبل.
لم يعد أثر هذه الهيئات يُقاس بعدد الفعاليات فقط، بل بما زرعته من شعور جديد لدى المواطن: شعور بالفخر بالهوية، وبأن ثقافته جزء من مشروع وطني كبير، وبأن الإبداع أصبح مساراً مهنياً مشروعاً ومحل تقدير.
لقد أصبحت الثقافة مساحة يلتقي فيها الماضي بالحاضر، والتراث بالابتكار، والهوية بالطموح. ومع كل معرض كتاب، وكل عرض مسرحي، وكل مبادرة لحفظ فنون الطهي أو العمارة أو الأزياء، نشعر بأننا نعيش لحظة ولادة جديدة للروح السعودية.
وزارة الثقافة وهيئاتها ليست مجرد مؤسسات حكومية، بل قصة وطن قرر أن يحتفي بذاته، وأن يقدّم للعالم أجمل ما فيه. وإذا كان لكل نهضة عنوان، فإن عنوان هذه المرحلة يمكن أن يكون «الثقافة أولاً، لأن الأمم تُبنى بروحها قبل عمرانها».