لذلك، حين ظهر موكب رسمي في حمص في الأسبوع نفسه الذي غرقت فيه خيام إدلب بالسيول، لم يكن الأمر تفصيلًا عابرًا، بل كان لحظة مكثفة اختصرت سؤالًا أعمق: كيف نريد أن تبدو دولتنا؟ وأين نقف فعلًا على طريق التعافي؟
في حمص، جرى افتتاح مبنى مديرية الأوقاف في مقرّه الجديد، وهذا المبنى كان سابقًا مقرًا لحزب البعث البائد، ورغم أن للحدث رمزية واضحة في سياق الانتقال من مرحلة إلى أخرى، لكن هذا الحدث تحول إلى قيمة ثانوية، عندما تصدّر خبر حضور مسؤولين المناسبة بموكب سيارات حديثة، ما أثار جدلًا واسعًا، ولم يطل الوقت حتى نشرت وزارة الأوقاف بيانًا تؤكد فيه أن الموكب لم يكن خاصًا بوزير بعينه بل ضمّ جهات رسمية عدة مدعوة تحركت في وقت واحد.
قد يكون ذلك صحيحًا إداريًا وربما لا يبدو في الأمر نية استعراض أو بذخ، لكن المشكلة لم تكن في النوايا، بل في الانعكاس، إذ إننا في بلدٍ لا يزال جزء كبير من شعبه يعيش تحت الخيام وبقايا بيوت دمرها «نظام البراميل» بشكل ممنهج، ليصبح لكل فعل ألف تفسير ولكل صورة ألف معنى.
ليست القضية عدد السيارات، بل المسافة الرمزية بين المسؤول والمواطن، فحين يشعر الناس أن همومهم اليومية لا تنعكس في تفاصيل المشهد العام يتسع الشرخ ولو من دون قصد.
في إدلب، لم تكن هناك رمزية سياسية، بل واقع قاسٍ، فالأمطار الغزيرة تحولت إلى سيول اجتاحت مخيمات النازحين، وأغرقت الفرش القليلة، ولم ينم الأطفال ليلتها لأن الإنسان لا ينام على الماء الممزوج بالقهر والعجز. هذه ليست حادثة أولى، لكنها كل مرة تبدو كأنها صدمة جديدة. السؤال لم يعد: لماذا هطل المطر؟ بل: لماذا ما زلنا تحت الخيام أصلًا؟
منذ التحرير، رُفع شعار «حتى آخر خيمة»، شعار أخلاقي ملهم يحمل وعدًا بحلم مؤجل، لكن الشعارات مهما كانت صادقة، تحتاج إلى ترجمة دقيقة وإطار تنفيذي. النازح لا يعنيه أن الشعار واعد؛ بل أن يعرف متى سينتهي الانتظار، متى ينتقل من خيمة إلى بيت، متى يصبح السقف ثابتًا لا قماشًا، متى يشعر أن حياته خرجت من الهامش إلى الأولوية؟
اليوم، الناس لا تريد كلمات مطمئنة بقدر ما تريد وضوحًا وخطة معلنة، بأرقام محددة، وجدول زمني واضح. كم عدد الخيام التي ستزال هذا العام؟ ما الجهات المسؤولة؟ ما التمويل المتاح؟ وما البدائل إن تعثر الدعم؟ هذا الوضوح لا يحرج الدولة، بل يقويها، لأنه يحول المواطن من متلقٍ غاضب إلى شريك واعٍ.
ساكنو الخيام ذاتهم حلّ بهم زلزال 2023 وصمدوا وتعاضدوا بما استطاعوا. المجتمع حيّ، لكنه اليوم بعد استعادة الوطن من أيدي زبانية الأسد لا يريد أن يحمل الأسى ويعوض عن غياب التخطيط في الدولة الوليدة. يريد أن يكون مجتمعًا طبيعيًا يرى مؤسسات تعمل وفق منهج، لا وفق ردات فعل.
في ظل هذا المشهد تظهر حملات تخوين واتهامات بالفساد وبنسيان أهل الخيام والتنعم بالدنيا في مقابل حملات مضادة أو محاولات تبرير، لكن الأكيد أن الناس متعبون ومن حقهم السؤال والعتب، وأن يطلبوا شفافية كاملة. وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول كل أزمة إلى ساحة تخوين أو اتهامات بالفساد عند أي نازلة، ولنتذكر أن الفوضى في الاتهام تضر كما يضر الصمت عن التقصير.
في أكثر من مناسبة، دعوتُ إلى تبني إستراتيجية وطنية واضحة تمتد حتى عام 2050. إستراتيجية تقول لنا بصدق: أين نقف اليوم؟ وأين يجب أن نصل؟ وكيف سنصل؟ ما شكل الاقتصاد الذي نريده؟ ما شكل المدن؟ ما مصير المخيمات؟ ما أولويات الإنفاق؟ وما الجدول الزمني لكل مرحلة؟ يدرك الجميع أن الحكومة كانت مشغولة طوال عام بملفات كبيرة جعلتها أسيرة اللحظة، لكن البلد يحتاج إلى عمل مضاعف من الجميع، فالدولة التي تحدد رؤيتها بوضوح تمنح شعبها الطمأنينة حتى وسط الصعوبات.
المشكلة ليست في موكبٍ عابر، ولا في مطرٍ غزير، بل في غياب الصورة الكبرى التي تجمع التفاصيل في سياق مفهوم. حين يعرف المواطن أن هناك خطة طويلة المدى، وأن كل خطوة حتى لو بدت صغيرة جزء من مسار واضح، تخف حدة الغضب. وحين يعرف المسؤول أن عمله يُقاس ضمن إستراتيجية معلنة، يصبح أكثر حرصًا على الإنجاز لا على الصورة.
بين موكب الوزير وفيضان إدلب، هناك قصة أكبر: قصة شعب يريد أن يرى دولته تسير بخطة واضحة لا بردة فعل. «حتى آخر خيمة» يجب أن تتحول من وعد عاطفي إلى محطة محددة في إستراتيجية وطنية. وعندها فقط، لن تكون الصور مؤلمة إلى هذا الحد، لأن الناس ستعرف أن الطريق مهما طال مرسوم بوضوح، وله نهاية نصل إليها معًا.