الأمر في حقيقته ليس متعلقا بكينونة المرأة، بل بالمجتمع الذي تعيش فيه وبالطريقة التي جرى تاريخيا التعامل بها مع جسدها ودورها وصوتها.
منذ أقدم العصور، نظرت البشرية إلى جسد المرأة كمساحة رمزية مشحونة بالمعاني: الشرف، الهوية، الاستمرارية، الأخلاق، والانتماء. وعندما يتحول الجسد إلى رمز فإنه يصبح تلقائيا موضع ضبط ومراقبة وتشريع، ويخرج عن كونه حقا شخصيا أو ملكية فردية. ومن هنا فإنه كلما اهتز المجتمع أو شعر بالخوف على قيمه أو هويته اتجه لا شعوريا إلى المرأة محاولا معالجة اضطرابه عبرها.
يمكننا ملاحظة هذا النمط في كثير من التجارب المتباينة، فالحجاب مثلا يتحول إلى إشكال بين مجتمعات تعتبر ارتداءه تهديدا للحياد العام وتصعده إلى قضية تناقش في البرلمان والمحاكم ومجتمعات أخرى تجرم من تختار عدم ارتدائه. ظاهريا قد يبدو أن الموقفين متناقضين لكن الجوهر واحد، ما ترتديه المرأة يتجاوز مفهوم المظهر الشخصي إلى أفق لا متناهٍ من الحمول الثقافية والاجتماعية والسياسية.
في دول أخرى تظهر مشكلة تشويه الأعضاء الأنثوية كقضية مقلقة للعالم، وهي ممارسة عنيفة ممنهجة ورغم آثارها الصحية والنفسية المدمرة والخطيرة إلا أنها مستمرة لأنها محمية بعادات اجتماعية أقوى من القانون.
حتى في الدول الغربية التي تقدم كنماذج للمساواة تظهر مفارقات لافتة. مثل قضايا الإجهاض التي ما زالت تخضع لشد سياسي وأيديولوجي حاد بل وتتحول أحيانا إلى معارك انتخابية! وهنا أيضا نجد جسد المرأة وخياراتها تتحول إلى ساحة صراع عامة لا مساحة سيادة فردية.
هذه الأمثلة على اختلاف سياقاتها الثقافية والسياسية إضافة لقضايا المساواة في التعليم أو العمل أو الأجور تكشف حقيقة واحدة: المرأة هي النقطة التي تتقاطع عندها السلطة والدين والعرف والسياسة، وعندما تفشل المجتمعات في إدارة هذا التقاطع بعدالة تظهر الحاجة إلى أيام دولية، وحملات عالمية، وضغط أممي.
كثرة الأيام الدولية الخاصة بالمرأة لا تدل على ضعف المرأة بالضرورة، لكنها تدل على أنها المؤشر الأكثر حساسية لعدالة المجتمع. فحيثما تصان المرأة وتحمى حريتها يصان الإنسان ويحمى وجوده، وحيثما تنتهك المرأة نعلم أن لدينا مشكلة بنيوية في الوعي وليست طارئة في السلوك.
من جهة أخرى علينا أن نفهم أيضا بأن التحركات الدولية ليست دائما بريئة بالكامل. فكثيرا ما تستثمر قضايا المرأة سياسيا، أو لمحاولة اختزال ثقافات محلية في صورة عولمية واحدة، أو تستخدم المعاناة الإنسانية للمرأة كأداة ضغط ناعمة. إلا أن وجود مثل هذه النوايا ومثل هذه الأجندات الاستغلالية لا ينفي أصل المشكلة ولا يسقط حق الضحايا في الحماية والإنصاف.
نجد إذا أن الخطأ الأكبر الذي تقع فيه المجتمعات عندما تعالج قضايا المرأة يكمن في اللجوء لحلول متطرفة. إما تقديس العادة حتى وإن ألحقت الأذى، أو استيراد خطاب حقوقي جاهز دون فهم السياق الاجتماعي والثقافي.
وفي الحالتين، تغيب المرأة كإنسان مكتمل الإرادة و تستخدم بدلا من ذلك كرمز أو حجة.
أخيرا، تبدو الأيام الدولية وسيلة مناسبة للتذكير بقضايا المرأة ونشر ثقافة التضامن حولها. لكنها قطعا لا تقدم الحلول الحقيقية على أرض الواقع.
الحل يبدأ من التعليم، من اللغة التي نستخدمها في وصف المرأة، ومن القدرة على التفريق بين التراث الإنساني الحي وبين ما هو إرث ثقيل مؤلم يجب تجاوزه.