هذه ليست مشكلة فردية، بل علامة على تحوّل أوسع، وهو تحوّل عالمي لا يخص بلدًا بعينه؛ فقد كان يُنظر إلى الوظيفة بوصفها استقرارًا أطول، وكانت الشهادة بوابة الدخول، أما اليوم فالمتطلبات تتبدل لأن المهام تتغير من الداخل، ولأن الأدوات والمعايير تتجدد باستمرار، حتى من هو على رأس العمل قد لا يضمن استمرارَه بالشهادة وحدها إن لم يطوّر مهاراته.
وأنا أكتب هذا تذكرت باومان حين وصف زمنًا «سائلًا» تتبدل فيه الأشياء أسرع مما اعتدناه؛ لا في الوظائف وحدها، بل في أنماط العيش والعلاقات وتوقعات الناس، وفي مثل هذا الزمن لا يكون القلق مفاجئًا؛ لأن الشباب والفتيات يجدون أنفسهم أمام مسارات تتغير شروطها باستمرار، فيتعقد التخطيط، ويزداد ثقل الاختيار.
وتتغذى هذه السيولة من محركات متزامنة: تنوع نماذج التشغيل مع اتساع دور القطاع الخاص؛ حيث صار السؤال العملي في كثير من الأعمال: ماذا أنجزت، لا ماذا تحمل؟ ثم تسارع التقنية، ثم الذكاء الاصطناعي الذي يضغط على قلب الوظيفة لا على عنوانها فقط، والسردية السهلة تقول: ستختفي الوظائف، لكن الواقع الأقرب هو أن المهام تتغير؛ جزء من العمل يُؤتمت، وجزء يُعاد توجيهه، وجزء جديد يُضاف، ولهذا لم يعد السؤال: ماذا درست؟ بل: ماذا تستطيع أن تُنجز الآن، وكيف تُثبت ذلك في واقع العمل؟
ولكي لا يبقى هذا الكلام انطباعًا، فهناك تقارير دولية مبنية على استطلاعات واسعة لأصحاب العمل تتحدث عن تغيّر كبير في المهارات المطلوبة خلال السنوات المقبلة، وهذا وحده يكفي لفهم لماذا يشعر كثير من الشباب أن ما يستعدون به يتقادم بسرعة؛ وحتى في السياسات العامة في دول متعددة تظهر إشارات متكررة في الاتجاه نفسه، أي تقليل الاشتراطات التعليمية غير الضرورية وتقديم التوظيف القائم على المهارة والكفاءة، والفكرة هنا ليست في تبني نموذج بعينه، بل في قراءة المؤشر: العالم يتحرك بدرجات متفاوتة نحو مهارة تُثبت أكثر من شهادة تُحمل.
وأمام هذا المشهد لا يسعني إلا أن أقول: أعان الله شبابنا وفتياتنا من طالبي الوظائف؛ فالمعاناة اليوم ليست في «قلة الفرص» فقط، بل في تسارع المتطلبات، قد يستعد الشاب لشهور، ثم يكتشف أن ما استعدّ به تقادم، وأن ما يُطلب منه تغيّر؛ وهذا يحمّل الجامعات مسؤولية أكبر من تخريج دفعات جديدة، فهي مطالبة بصناعة خريج يستطيع التعلم والتجدد، لا مرة واحدة، بل طوال حياته المهنية.
إذا كان هذا هو الواقع، فالحلول ليست شعارات، بل تغييرات عملية تمس ما يراه الطالب ويُقاس به، لا ما يُكتب في توصيف المقرر؛ الفكرة ليست نسف المقررات ولا تحويل الجامعات إلى مراكز دورات، بل إعادة ترتيب العلاقة بين المعرفة والأداء بحيث يصبح التعلم قابلًا للإثبات.
ابدأ من داخل القاعة: اجعل كل مقرر رئيس ينتهي بمنتج واضح يمكن عرضه، ثم اجعل «ملف الأعمال» جزءًا من التخرج لا جهدًا شخصيًا عشوائيًا، فيتخرج الطالب ومعه ما يقدمه في المقابلة لا ما يتحدث عنه فقط، واجعل التدريب التعاوني تجربة بنتائج لا شهادة حضور، لأن سوق العمل لا يكافئ النية، بل يكافئ الأثر.
ثم ضع للتجديد آلية مستمرة بدل أن يبقى حملة مؤقتة؛ اجعل البرنامج مرنًا، مبنيًا على وحدات قابلة للتعديل السريع، بحيث يمكن تحديث جزء كبير منه دوريًا، وبالأخص في المسارات التطبيقية والاختيارية المرتبطة بأدوات السوق المتجددة، والفكرة ليست أن نكسر الجودة، بل إن نفك الاشتباك الذي صار شائعًا في جامعاتنا: تُرفع راية الجودة، ثم تُستخدم عمليًا لتعطيل التطوير. الجودة الحقيقية تضبط التحديث ولا تحاربه، تضع معايير واضحة للمخرجات، وتترك للوحدات المرنة أن تتبدل كلما تبدلت أدوات السوق.
ولهذا لا يكفي أن نُحدّث الطالب قبل التخرج فقط؛ يجب أن نتيح للخريج أن يعود بسهولة بعد التخرج، لا بوصفه «طالبًا جديدًا» بل بوصفه «مهنيًا يحدّث أدواته». مسارات قصيرة، متجددة، معتمدة، تُبنى حول مهارات محددة وقياس أدائي واضح، يأخذها الخريج عندما تتغير متطلبات مهنته، وبذلك يتحقق التعلم مدى الحياة في صورته العملية، لا كشعار. هذه العودة لا تخدم الفرد وحده، بل تحمي الاقتصاد من تقادم المهارات، وتربط الجامعة بسوق العمل ربطًا حيًا، بدل أن تكتشف التغير متأخرة.
أما الدبلومات وكليات التقنية فليست هامشًا في هذه المعادلة، بل مسار عملي سريع للتخصصات التطبيقية، وجسر مرن للانتقال بين الدخول المبكر للسوق وبناء العمق لاحقًا، بشرط أن تُدار بمنطق المهارة المثبتة لا بمنطق الساعات فقط.
الخلاصة أن التقنية لا تمنح التعليم ترف التأجيل؛ وإذا كانت متطلبات التوظيف تتغير لأن المهام تتغير، فالمناهج ينبغي أن تتغير لأن المخرجات يجب أن تُثبت، وتذكّر الخريج الذي بدأنا به: الفارق بين مقابلة تُربكه ومقابلة تُنصفه ليس في ورقة يحملها، بل في دليل مهارة يضعه على الطاولة، ثم يقول بثبات: هذا ما أستطيع أن أفعل.