جاء تأسيس شركة الصحة القابضة كجزء من هندسة تحول تفصل بين أدوار التنظيم والتشغيل والتمويل، وهو من حيث المبدأ انتقال ضروري لتحسين الكفاءة ورفع جودة الخدمات. غير أن نجاح هذا النموذج لا يُقاس بسلامة التصميم وحدها، بل بقدرته على الصمود في الاختبار الأصعب: اختبار التنفيذ اليومي داخل المرافق الصحية.
وخلال متابعة ما نُشر عن شركة الصحة القابضة في الإعلام ومنصات التواصل خلال الأشهر الماضية، يظهر أن الخطاب العام اتسم بالهدوء والطابع الرسمي، مع تركيز واضح على الهيكلة ونقل التجمعات والشراكات، مقابل نقاش محدود حول الأثر التشغيلي اليومي. ففي حين عبّر المواطنون عن دعم حذر مشروط باستمرار مجانية الخدمات وجودتها، انصبت تساؤلات منسوبي الصحة على قضايا مهنية مباشرة تتعلق بالعقود، والمسار الوظيفي، وضغط العمل.
هذا التباين بين هدوء الخطاب الرسمي وحدّة الأسئلة المهنية يكشف فجوة صامتة لا يمكن تجاوزها بالتصريحات أو الحملات الإعلامية. فالتحول الصحي، مهما تقدّم تنظيميًا، سيظل ناقصًا ما لم يترجم إلى طمأنة عملية للعاملين في الميدان، عبر شفافية أعلى، وتمكين تشغيلي حقيقي، وعدالة واضحة في توزيع أعباء المرحلة الانتقالية.
نجاح شركة الصحة القابضة في مرحلتها المقبلة لن يتحقق بتسريع الانتقال الإداري، بل بإبطاء لحظة التقييم والمراجعة. المطلوب اليوم قرارات شجاعة تُغلق فجوة التنفيذ، وتضع الكوادر الصحية في قلب المعادلة، لا على هامشها، فالعامل الصحي هو الحدّ الأعلى لجودة الرعاية وثقة المجتمع.
التحول الصحي ليس سباقًا في البدايات ولا اختبارًا في العلاقات العامة، بل امتحان طويل في الاستمرار والقدرة على التصحيح. وحين يُدار هذا الامتحان بشفافية ومساءلة وتمكين حقيقي للميدان، يمكن عندها القول إن التحول لم يُعلن فقط، بل بدأ يُنجز.
ومن واقع العمل الصحي اليومي، فإن ما يُقلق الميدان ليس فكرة التحول بحد ذاتها، بل كيفية عبوره على تفاصيل المناوبات، وضغط الأقسام، وقدرة الكوادر على الاستمرار وهي تحاول الموازنة بين واجبها المهني ومتطلبات واقع يتغير بوتيرة سريعة.
وختاما فإن ما يتطلبه إرضاء الكادر الصحي -والذي سيشكل نواة نجاح أي مؤسسة صحية- ليس صعب المنال، وذلك بكشف ضبابية المستقبل الذي يقلقهم، وهو الظهور المتكرر من قبل شركة الصحة القابضة والإجابة عن استفساراتهم وتطمينهم على التجربة الجديدة التي سيخوضونها، مثل ماهو مصيرهم بعد السنتين الأوليين من التعاقد معهم، وإبداء الجدية في الحرص على استمرارهم في خدمة بلدهم، من خلال شركة الصحة الحكومية. وكلنا ثقة أن شركة الصحة القابضة تضع نصب عينها الاهتمام بكل ما من شأنه خدمة بلدنا، وتضع صحة المواطن والمقيم في مقدمة اهتماماتها.
*طبيب استشاري / مدير عام صحة عسير سابقًا .