وهنا سنحاول أن نسلط الضوء على مقاربة منهجية سابقة على الغزالي وأصل لمنهجه ورؤيته، ولكنها لم تأخذ حقها من التنبه والبحث.
مبحث السببية عند المتكلمين العرب
ثبت عند معظم المتخصصين في الثقافة العربية أن علم الكلام يقع خارج دائرة الحقل الفلسفي وطرقه المنهجية. وجهة خروجه أو إخراجه الأبستمولوجي هي في العلة الغائية التي تربط مباحث المتكلمين بالدفاع عن الدين وتسويغ ظاهرياته أو تأويله الفينومينولوجي، في حين أن مباحث الفلسفة هي مباحث الحُكْم القِيَمي المسبوق بالسؤال المعرفي: الوجودي أو الأخلاقي أو الجمالي المتعلق بالكينونة البشرية وفضائها الكوني والنفسي. لكننا لو بحثنا عن الوجه القمري الآخر من الناحية الأبستمولوجية والمنهجية لوجدنا أن ثمة حكمًا إقصائيًا يستند إلى شكلية بلاغية تجعل الارتباط بالمرجعية الفلسفية اليونانية معيارَ الوسم الفلسفي، وما يتصل بذلك من ثوابت الفلسفة التاريخية من ترانسندنتال الزمان وحدود المعرفة وعوالم المجهول. وأما علم الكلام فلا شك في أنه مبحث هجين من تصورات منطقية وفلسفة لغوية. وهذا الإخراج لعلم الكلام من الدائرة الفلسفية وسد الباب أمامه جعل هناك بعدا أيديولوجيا وآخر منهجيا يحيلان دون الاعتراف الفلسفي بمقولات المتكلمين، ويدفعان باتجاه تجنب أخذ المرجعية الكلامية على محمل الجد الفلسفي المتعالي. ولا نريد أن نستزيد في هذا الموضوع، وإنما نكتفي بهذه الإشارة الأبستمولوجية، لنبني عليها الفقرة التالية:
لقد تجاهل المبحث الفلسفي مفهوم السببية الذي صدّره علم الكلام، وراح يبحث حواليه من دون الاعتراف الفلسفي به. ويمكن القول إن المبحث الكلامي أنتج نوعين عضويين متداخلين من السببية: جدل مفهوم السببية، في مفهوم جدل السببية؛ وهذا بمعنى أن هناك جدلًا منطقيًا ــ وإن لم نقل فلسفيًا ــ وجدالًا كلاميًا في السببية وطبيعتها، أي استطاع المتكلمون إنتاج مدونة فكرية/منطقية، تقدم رؤية جدلية ــ بالمعنى الهيغلي ــ للتفاعل السببي في حدوث المحدثات والأحداث، وما ينطوي على السببية من مفاهيم الإرادة والقدرة والاختيار والكسب والإجبار والتسيير والاضطرار والخلق والاستطاعة. هذا من جهة؛ أما من جهة أخرى فإن هذه المدونة حافلة بالجدال الحجاجي الكلامي، وما تفرع عنه من اختلافات وردود وإلزامات وقطيعات. وهذا معنى جدال كلامي حجاجي في جدل مفهوم السببية.
يعرف المتخصصون في تاريخ الفكر الفلسفي واللاهوتي أهمية مفهوم السببية عند المتكلمين المسلمين، لكنهم يرجعونه إلى نوع من الجدل المفتقد للتحقق البرهاني الفلسفي [ينظر: تهافت التهافت، ص ص230-231، 505-513]، ويتغاضون عن أهميته المرجعية في تاريخ الفكر الفلسفي [ينظر: بنية العقل العربي، ص137-173]. كذلك ينظر قول الجابري في مقدمة: تهافت التهافت، ص20-21]. لكن ديفيد هيوم سلك مسلكًا آخر نحو الاعتماد شبه الكلي على مفهوم السببية الكلامي، وإن لم يشر إلى ذلك، وقد شاركه كل من ناقش هذا المبحث من وجهة النظر الفلسفية الحديثة؛ حتى الذين أشاروا إلى التراث العربي الإسلامي في مسألة السببية، فإنهم يشيرون إشارة عابرة أو خاطفة إلى المتكلمين بوصفهم مرجعية أصولية لسببية الغزالي، الذي يجعلونه قطب الرحى في النظرية العربية للسببية والمنظر الأكبر في نفي الخاصية السببية أو نفي حقيقة مفهوم العلة السببية والتلازم الحتمي بين السبب والمسبب، سواء في خصائصها الفيزيائية المادية أم الوجدانية أو الروحية [ينظر أبو يعرب المرزوقي: مفهوم السببية عند الغزالي، ص صv¹، 12]. وربما يكون هذا صحيحًا، لكنه يتجاهل حقيقة الأسبقية الزمانية لأسلاف الغزالي من المتكلمين العرب الذين تحدثوا وجادلوا وحاججوا في هذه المسألة، ولا سيما الأشاعرة منهم.
وأما المعتزلة فقد كان لهم السبق في جعل الحتمية السببية من دعائم أصول الدين وأساسًا من أسس التوحيد والعدل الإلهيين. ولقد جاءت المدونة الأشعرية ردًا على قول المعتزلة ونصرة لأهل الحديث والسنة الذين كانوا يُعرفون بالمُجْبِرة وأصحاب الحديث كما ينعتهم به أهل الاعتزال على الذم والازدراء. ولكنْ من ميزات الفكر الاعتزالي تعدد رؤاه وكثرة اختلافاتهم؛ ولذلك كان من نتائج هذا التعدد والتنوع في الرؤى والأقوال أن كان أحد أهل الاعتزال هو أول من نفى مفهوم السببية والاقتران الحتمي، سابقًا أبا حامد الغزالي (505هـ) بأكثر من مئتي سنة؛ إنه: صالح قبّة (246هـ) صاحب الفرقة الصالحية؛ فقد نقل عنه أبو القاسم الكعبي: «محال عنده أن يتولّد الشيء من شيء، أو يحدث شيء بطبع شيء، وزعم أنه يجوز أن تقترب النار من الحطب اليابس ويجتمعان دهرًا طويلًا…. ولا تحرق النار الحطب» [مقالات البلخي، ص360]. وهذه هي الظاهرة ذاتها التي ذكرها الغزالي فيما بعد، من بين ظواهر لا حصر لها كما يذكر، لنفي مبدأ السببية العقلي، فقال: «والنظر في هذه الأمور الخارجة عن الحصر يطول، فلنعين مثالًا واحدًا، وهو الاحتراق في القطن مثلًا، عند ملاقاة النار، فإنا نجوّز وقوع الملاقاة بينهما دون الاحتراق» [تهافت الفلاسفة، ص339].
وعلى الرغم من أن صالحًا من أهل الاعتزال ويسلَّك في عداد طبقاتهم (الطبقة السابعة) [طبقات المعتزلة للقاضي عبدالجبار، ص268]، لكنه يخالف في هذا جملة قول المعتزلة في الطبائع والخصائص الذاتية للأشياء وفي مقولة التوليد والسببية. وهو ينفي حتمية العادة وضرورة الاقتران. وهذا ذاته الذي قاله الغزالي، وأخذ به هيوم أشهر الفلاسفة الأوربيين النافين للسببية في العصر الحديث. بل يمكن الجزم أن هيوم بنى مبحثه في مفهوم السببية على التراث العربي الوسيط في الفلسفة وعلم الكلام خاصة؛ وذلك إذا سلمنا أن مدونة علم الكلام كانت الأسبق زمنيًا من المدونة الفلسفية العربية، ومعظم المسائل الفلسفية التي نوقشت في المدونة العربية كانت في مسائل علم الكلام أكثر منها في قضايا المدونة الفلسفية اليونانية القديمة. ولقد سعى الفلاسفة العرب إلى التصدي للمدونتين: الكلامية العربية والفلسفية اليونانية.
يتبع…