وقوع الأسواق بين القلق والواقعية جعل لها ردة فعل مدوية، فمن اللافت في تفاعل الأسواق أن رد الفعل جاء متوازنًا نسبيًا.. ولم نشهد انهيارات حادة، ولم تهرب رؤوس الأموال بشكل جماعي، لكننا رأينا تحركات واضحة تعكس إعادة تقييم للمخاطر. (الدولار تراجع، الذهب صعد، والأسهم تذبذبت)، وهذا كلهُ ليس من علامات ذعر، بل إشارات تحوّط.. ولكن، لماذا لا يخضع الفيدرالي بسهولة؟ الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة صُممت لتكون بطيئة في الانصياع، وسريعة في التفكير. وقراراته لا تُبنى على الرغبات السياسية، بل على بيانات التضخم، التوظيف، والنمو. وحتى لو أراد رئيس الفيدرالي مجاراة الضغوط، فإن آلية اتخاذ القرار الجماعي تمنع الانحراف السريع، وهو ما يفسر قدرة المؤسسة على امتصاص الصدمات السياسية.
الخطر الحقيقي، لا يكمن في خفض الفائدة من عدمه، بل في التشكيك المستمر في دوافع القرار النقدي.. فحين يبدأ المستثمر في التساؤل: هل هذا القرار اقتصادي أم سياسي؟ هنا تبدأ تكلفة التمويل في الارتفاع، حتى لو كانت الفائدة منخفضة.
من الراجح أن تستمر المواجهة حتى نهاية ولاية باول، دون حسم حاد.. فالفيدرالي سيواصل سياسته بحذر، والأسواق ستبقى يقظة، بينما سيحاول السياسيون توظيف الملف نقديًا وإعلاميًا. لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن المؤسسات الأقوى هي التي تصمد في وجه الضغط، لا تلك التي ترضخ له، وما يجري اليوم ليس أزمة فائدة، بل أزمة ثقة.. وما ستقرره الولايات المتحدة في هذا الملف لن يؤثر على أسواقها فقط، بل على توازن النظام المالي العالمي بأكمله.