ضعف جودة بعض الخدمات النفسية لا يعود دائمًا إلى نقص الكفاءة العلمية أو ضعف التأهيل، بل في كثير من الأحيان إلى سياسات تشغيل غير عادلة، أبرزها غياب الأمان الوظيفي، والعمل بنظام «التعاون» دون راتب ثابت، وتحميل الأخصائي عبء المخاطرة بالكامل. في هذا النموذج، يعمل الأخصائي النفسي بلا استقرار مالي، ولا حماية مهنية، ولا وضوح لمستقبله، وكأن شغفه بالعمل العلاجي يجب أن يكون بديلًا عن حقوقه الأساسية.
الأخصائي النفسي، كغيره من الممارسين الصحيين، يحتاج إلى بيئة مستقرة ليؤدي عمله بجودة عالية. الاستقرار ليس رفاهية، بل شرط أساسي للاستمرار، للتطوير، ولتحمّل المسؤولية العلاجية الثقيلة التي تتطلب تركيزًا عاليًا، وحضورًا ذهنيًا، واستثمارًا نفسيًا طويل الأمد. حين يُطلب من الأخصائي أن يعمل في بيئة غير آمنة، فإن الرسالة الضمنية واضحة: أنت قابل للاستبدال، وجودك مؤقت، وقيمتك مرتبطة بعدد الجلسات لا بجودة الأثر.
في هذه المعادلة المختلة، لا يتضرر الأخصائي وحده، بل يتضرر العمل نفسه، ويتضرر المراجع النفسي أولًا وأخيرًا. الأخصائي غير المستقر وظيفيًا لن يستطيع بناء علاقة علاجية طويلة الأمد، ولن يستثمر في تطوير نفسه داخل مركز لا يضمن له الاستمرار. التغيير المستمر في الأخصائيين، وارتفاع معدلات التسرب المهني، ينعكس مباشرة على تجربة المراجع، وعلى ثقته في العلاج النفسي ككل.
جزء من المشكلة يعود إلى نظرة قديمة لعلم النفس، ما زالت تحكم بعض السياسات الإدارية في المراكز الخاصة. علم النفس يُعامل أحيانًا كخدمة ثانوية، أو كمنتج تكميلي، لا كجزء أساسي من المنظومة الصحية. هذه النظرة لم تعد تعكس الواقع. نحن نعيش اليوم مرحلة مختلفة تمامًا: ارتفع الوعي المجتمعي بالصحة النفسية، زاد التقبل للعلاج النفسي، وأصبحت الخدمات النفسية ضرورة يومية لا ترفًا نخبويًا.
التحولات الاجتماعية، وضغوط الحياة الحديثة، وتسارع الإيقاع النفسي، جعلت من علم النفس أحد أهم الأعمدة الصحية في حياة الأفراد والمجتمعات. ومع هذا التغير، لا يمكن الاستمرار في سياسات تشغيل تعود لعقود مضت، ولا يمكن مطالبة الأخصائي بالاحترافية العالية دون توفير الحد الأدنى من الأمان المهني.
تطوير جودة الخدمات النفسية يبدأ من حماية الأخصائي النفسي. يبدأ من عقود واضحة، ورواتب ثابتة، ونماذج عمل عادلة، ومسارات مهنية تحفّز الاستقرار والنمو. الجودة لا تُفرض بالشعارات، بل تُبنى بالأنظمة. وحين يشعر الأخصائي أن مهنته محترمة، وأن جهده مُقدّر، وأن مستقبله المهني غير مهدد، سينعكس ذلك مباشرة على جودة الجلسة، وعمق التدخل، وصدق العلاقة العلاجية.
نحن اليوم بحاجة إلى تدخل حقيقي لتطوير هذا المجال الحيوي، تدخل يوازن بين مصلحة المراكز، وحقوق الأخصائيين، وحق المراجع في خدمة نفسية عالية الجودة. حماية الأخصائي النفسي ليست مطلبًا فئويًا، بل خطوة أساسية لحماية العلاج النفسي نفسه، ولضمان أن يبقى هذا المجال قادرًا على أداء دوره الإنساني والصحي في زمن نحن أحوج ما نكون فيه إلى صحة نفسية مستقرة ومهنية محترمة.
ضغوط الحياة جعلت من علم النفس أهم الأعمدة الصحية ومع هذا لا يمكن مطالبة الأخصائي بالاحترافية دون توفير حد أدنى من الأمان المهني.