هل يمكن أن يكون الشعور بالنقص هو سبب تفكير الإنسان بالحقيقة المطلقة؟ ومحاولته الوصول إليها؟ والمفارقة ستكون -حينئذ- أن الشعور بالنقص سبب لعدم الوصول إلى الحقيقة. والمراد أن الإنسان يشعر أن ثمة شيئا ناقصا في وجوده لا بد أن يكتمل، لهذا هو يبحث عن الحقيقة التي لن يجدها لأنها نابعة من الشعور بالنقص.تطرح المقالة مفارقة عاشها رجلان لا يبدو أنَّ بينهما صلة، هما عبدالقاهر الجرجاني وهايدغر، مفادها أنهما -بسبب استبطان النقص- خلقا حقيقة تُسكت النقص، لكن هذه الحقيقة صارت سببا في نقص جديد. أما الجرجاني فقد جعل للبيان حقيقة كاملة مستقلة عن الحقيقة الموضوعية وجعل مثالها القرآن، وتجلت في نظرية النظم، ومن المعروف أنَّ عبدالقاهر متيقن من وجود حقيقة موضوعية خارج اللغة والبيان، ولكن الشعور بالنقص والقلق الوجودي يدفعه إلى أن يضع حقيقة كاملة مستقلة ويموضعها في (البيان) وكأنه قال: من أراد الحقيقة (البيان) فليس له إلا النظم، أي وضع الكلمة في موضعها الحقيقي في الجملة. والمفارقة أنه فتح نقصا جديدا إذ لن يستطيع أن يضع الكلمات كلها في موضعها الحقيقي إلا الله، لهذا كان الجرجاني يتتبع العربَ في بيانهم ليوضح مواطن النقص فيه وليقول إنَّ البيان -بمعناه الإعجازي- لا يقدر عليه إلا القرآن. وأما هايدغر فقد جعل اللغة مسكن الوجود وحوَّل معنى الحقيقة من الامتلاك إلى الانكشاف، وما ذاك إلا ليسد النقص البنيوي بإعادة الإنسان إلى أصالة سكنه في اللغة/العالم، بعد أن ابتذلته الثّرثرة والتقنية، لكن المفارقة أنه فتح نقصا جديدا وهو أنَّ مسكن الوجود الذي أقامه في اللغة يكشف -بمجرد أن تسميه مسكنا- أنَّ الإنسان الحديث مطرودٌ منه، فقد صارت اللغة عنده ثرثرة وإشارة وتقنية، واحتجب الوجود، وصارت الحقيقة كراقصة «في وسط اللهب ولا تحترق».ما الذي يجمع بين الرجلين؟ أليس هو الاهتمام بـ(الموضع) للوصول إلى الحقيقة: الجرجاني بموضع الكلمة داخل الجملة، وهايدغر بموضع الإنسان في العالم كما ينكشف له عبر اللغة، وهذا يعني أنهما بالموضع سعيا لسد النقص، ولكنَّ الموضع عند الجرجاني بيان، وعند هايدغر جغرافيا داخلية ينكشف فيه الوجود. وقد يعني هذا أن الرجليْن -وإن بديا بعيدين- يصنعان حقيقة من المدخل نفسه إذ هما -بسبب استبطان النقص- تركا البحث عن شيء اسمه الحقيقة، واهتما بشرط ظهورها، وعلامة ذلك أنَّ الجرجاني حين ينظر إلى الجملة يتأمل مواقع الكلمات، والمواقع شرط ظهور الحقيقة، وهايدغر حين ينظر إلى الإنسان يتأمل موضعه في العالم كما ينفتح له عبر اللغة.إذن كلاهما نقل القلق الوجودي في البحث عن الحقيقة إلى فكرة جديدة؛ وهي أن الحقيقة شيء يُنال بالإقامة وليس بالامتلاك، وهذا يعني أن الوجود سيكون نحوا كبيرا، وأن النحو سيكون وجودا صغيرا.التفاتة:قدم القرآن لفظ (ربك) في قول: «وما ربك بغافل عما تعملون»؛ لأنَّ العلاقة بين الله والإنسان عند العربي القديم علاقة ربوبية قبل أي شيء آخر، وثانيا هذا التقديم يُغيّر الحالةَ النفسية للسامع حين يعلم أنَّ المراقبَ له هو الرب. وهذا يعني أنَّ تغيير موضع (ربك) في الآية يُغير نوعَ الأثر في نفسِ السامع ويُغير العلاقة مع الواقع. ومن هنا يمكنني أن أقول: إنَّ العربي القديم يتعامل مع المعنى كما يتعامل مع أشيائه في الصحراء والمدينة، وهذا يعني أنَّ المعنى شيءٌ له مكان وموضع وملامح وحدود.
Source link