لطالما امتلك اللاعب السعودي خامات فنية مميزة، وشغفًا كبيرًا باللعبة، إلا أن التحدي الحقيقي كان – ولا يزال – في القدرة على تحويل هذه الموهبة إلى أداء ثابت تحت الضغط، وإلى احتراف طويل المدى. كرة القدم الحديثة لم تعد تقبل العشوائية أو الاعتماد على الموهبة وحدها، بل تكافئ اللاعب المنضبط، الواعي بذاته، القادر على إدارة جسده وعقله بنفس كفاءة إدارته للكرة.
من هنا، تصبح مسألة إعادة تشكيل العقلية الرياضية لدى الناشئين ضرورة وطنية لا خيارًا تدريبيًا. فاللاعب اليوم هو مشروع متكامل، تُبنى شخصيته الرياضية منذ سن مبكرة عبر ثلاث ركائز أساسية: البنية الجسدية، والنظام الغذائي، والإعداد الذهني. ولا يمكن فصل أي منها عن الآخر دون أن يختل التوازن الكامل للأداء.
المشكلة الأبرز التي نواجهها حاليًا ليست نقص المهارة، بل هشاشة الثقة في اللحظات الحاسمة. كثيرًا ما نشاهد لاعبًا متألقًا في التدريبات، واثقًا في بيئة آمنة، لكنه يفقد حضوره الذهني تحت ضغط المباراة، أو عند مواجهة جمهور غفير، أو عند ارتكاب خطأ بسيط. هنا لا نتحدث عن ضعف فني، بل عن غياب الإعداد النفسي القادر على إدارة القلق، واستيعاب الضغط، وتحويل التوتر إلى طاقة أداء.
ولهذا، فإن إدخال علم النفس الرياضي كجزء أساسي من المنظومة الرياضية لم يعد ترفًا أو إضافة ثانوية، بل ضرورة إستراتيجية. علم النفس الرياضي لا يقتصر على التحفيز أو الخطاب العاطفي، بل يقوم على بناء مهارات ذهنية دقيقة: مثل الثقة الواقعية، والمرونة النفسية، وضبط الانفعالات، واتخاذ القرار تحت الضغط، والتعافي النفسي بعد الإخفاق.
اللاعب المحترف في عصرنا ليس من لا يخطئ، بل من يعرف كيف يتعامل مع الخطأ دون أن ينهار أداؤه. هو اللاعب الذي يفهم ذاته، ويعي نقاط ضعفه قبل قوته، ويملك أدوات عقلية تحميه من الانكسار في اللحظات الحاسمة.
كما أن الثقافة الصحية تمثل ركيزة لا تقل أهمية؛ فضعف الوعي الغذائي، وسوء إدارة النوم، والتهاون في الاستشفاء البدني، كلها عوامل تُفرغ الموهبة من قيمتها مهما بلغت. الاحتراف الحقيقي يبدأ من تفاصيل الحياة اليومية، لا من دقائق المباراة فقط.
إن إعادة بناء العقلية الرياضية لدى الناشئين تمثل استثمارًا طويل الأمد في مستقبل الرياضة السعودية، وضمانًا حقيقيًا لتحقيق مستهدفات رؤية 2030، والاستعداد الجاد لاستضافة كأس العالم 2034. فالبنية التحتية يمكن بناؤها، والمنشآت يمكن تجهيزها، لكن بناء الإنسان الرياضي الواعي هو التحدي الأكبر والأبقى.
في النهاية، لا تُحسم البطولات بالمهارة وحدها، ولا تُصنع الإنجازات بالموهبة فقط، بل تُصنع بعقل يعرف كيف يقود الجسد، وكيف يحوّل الضغط إلى فرصة، والطموح إلى واقع.