وبما أن غرائب الدراسات اللغوية لا تنتهي، دعونا نقدم اليوم آخر «تقليعات» اللغويين وأحدث ما توصلت له حركات التحديث والتجديد في الجامعات العربية. من يصدق أن معجم لسان العرب أصبح عراقيا؟ ومن يصدق أن الخليل ابن أحمد الفراهيدي أصبح يمثل الثقافة العراقية ومعجمه «العين» بات يصنف ضمن قائمة «المعاجم العراقية»؟
دعونا نطرح قضية «المعاجم العراقية» على طاولة النقاش: عندما نصف معجما ما بأنه «عراقي» فأول ما يتبادر للذهن أنه معجم يركز على الثقافة العراقية، وأن الخليل -على سبيل المثال- يصف حياة الناس في الكوفة والبصرة وبغداد من خلال المعجم، وكل ما سجله من ألفاظ ترتبط ثقافيا باللهجة الحضرية العراقية التي كانت موجودة في عصره، وكل مفرداته وتمثيلاته تنتمي لحياة العراقيين في مدنهم وأريافهم وما تتضمنه من نشطات اقتصادية -زراعية وتجارية- ومعتقدات دينية وحكايات شعبية. فهل هذا الوصف ينطبق فعلا على معجم العين أو لسان العرب؟
هؤلاء الذين يصفون معجم العين بأنه عراقي يقعون – حقيقة – في خلط رهيب بين الجغرافيا العلمية والجغرافيا الثقافية. هناك لغويون عاشوا في العراق والأندلس ومصر والشام ولكنهم ينظرون للجزيرة العربية بوصفها مصدر الفصاحة، والمجتمعات الحضرية للمدن العراقية غائبة من حيث المادة اللغوية والثقافية. فأنصار مشروع «الفوائت» يتوهمون أن كون المعجم قد أُلف في العراق يعني أنه يمثل الثقافة العراقية، وهذا تدليس للحقيقة التاريخية. فالهوية الثقافية لمعجم العين محتواها من البيئة العربية الأصلية وفي خدمة الثقافة العربية البدوية الأصيلة، وتعكس منظومة قيم عربية أصيلة ومجمل مفردات المعجم تنظر إلى الكون من منظور الإنسان البدوي الذي يعيش في الطبيعة المفتوحة، وتدور حول الصحراء والطبيعة والرمل والريح والمطر والسراب والجبال، وتجد فيها عوالم الإبل والفرس والذئب والضبع وتفاصيل الحياة اليومية للبدو «الشجاعة، الكرم، الحرب، الضيافة».
يقول محمد عابد الجابري في كتابه «تكوين العقل العربي»: «لننظر إلى قواميسنا العربية الراهنة، القديمة منها والمعاصرة، وقد جمعت مادتها في عصر التدوين من أفواه الأعراب الذين بقوا إلى ذلك العصر منعزلين لم يتعكر صفو لسانهم مع سكان المدن والحضر». والجابري هنا لا يستثني المدن العراقية كبغداد والبصرة والكوفة بل يستبعدها تماما. ويضيف الجابري قائلا: «وبما أن سبب اللحن كان الاختلاط الواسع الذي عرفته الحواضر في العراق والشام خاصة، بين العرب والموالي، فلقد كان طبيعيا أن تطلب اللغة الصحيحة من البادية وبكيفية خاصة من القبائل التي بقيت منعزلة وبقي رجالها الأعراب محتفظين بفطرتهم وسليقتهم وسلامة نطقهم». وبطبيعة الحال فالجابري يقصد هنا القبائل التي عاشت في الجزيرة العربية، ويؤكد حرفيا أن معجم العين هو صورة علمية منظمة للثقافة البدوية العربية، وتحويل علمي للثقافة البدوية الشفوية إلى نظام علمي مكتوب ومنظم، وليس لها علاقة ثقافية -من بعيد أو قريب- بثقافة المدن العراقية.
يقول الجابري: «لقد اتجه جامعو اللغة ورواتها، إذن إلى البادية، إلى الأعراب الأقحاح وأصبح هؤلاء الأعراب الحفاة العراة مطلوبين بكل إلحاح». العربية بمفرداتها لغة بدوية تعيش في الصحراء وتنتقل شفاهيا من جيل إلى جيل عبر الشعر والرواية، وعلماء اللغة كانت لديهم أهداف سامية وعليا وهي إيجاد لغة معيارية لتكون إطارا مرجعيا لفهم النص القرآني، وليست هناك من لغة تستطيع القيام بهذه المهمة سوى لغة العصر الجاهلي التي ظلت محتفظة بسماتها الأولية لدى القبائل البدوية المنعزلة. وهنا يتضح لنا أن الحكم على معجم العين بأنه «عراقي» يعكس جهلا مركبا بحقيقة المعاجم العربية، فمنهجه بكل وضوح قائم على الاستشهاد بشعر الجاهليين وأقوال الأعراب لا بكلام أهل المدن، وكلام أهل المدن الحضرية غائب إجمالا من حيث المادة اللغوية والثقافية. وهنا يثبت لنا أن القائلين بعراقية المعاجم العربية الكبرى وقعوا في خلط رهيب بين مكان التأليف (الجغرافيا العلمية) ومصدر اللغة (الجغرافيا الثقافية). البيئة العراقية كانت بيئة علمية فقط وليست بيئة لغوية مرجعية. علماء اللغة الأوائل كانت لديهم أهداف سامية كبرى تدور حول حماية النص القرآني من التحريف وليس لديهم أي تحيزات قبلية أو مناطقية كما هي الحال مع بعض القراءات المعاصرة للتراث اللغوي.