كانت آسيا جبّار (وهو في المناسبة الاسم المستعار الذي اختارته بدلًا من اسمها الحقيقيّ: فاطمة الزهراء إمالهايين) ترى في الكتابة وسيلتَها الأنْفذ لمُواجَهة الموت والفناء، والتقدُّم بالتالي أكثر وأكثر نحو الحياة والتأجيل، ولو قليلًا، للحظة الغياب الحتميّة.
كما أنّها تَكتب على أمل أن تَترك «أثرًا ما، ظلًّا، نقْشًا في الرّمل المتحرّك، في الرماد الذي يطير، وفي الصحراء التي تصعد» (من روايتها «لا مكان في بيت أبي»).
وهكذا فالكتابة لديها لم تكُن مجرّد مُمارَسة إبداعيّة أو هواية بذاتها أو لذاتها، بل تحوّلت إلى فضاءٍ وجوديّ نافذ، تطلّ منه على عوالِم أخرى تتقاسمها مع شخصيّاتٍ تَبتكرها وتَمنحها حضورًا ومساحاتٍ فاعلة ومُتفاعِلة من شأنها أن تُخفِّف عنها ثقلَ الواقع وصدماته.
كما أنّ الكتابةَ تساعدها، بل تَدفعها لأن تَمنحَ الآخرين حيواتٍ جديدة من شأنها تثبيت حضورهم ليكونوا على الضدّ من الإهمال والتهميش، بخاصّة أولئك النسوة الصامتات المنطويات على أنفسهنّ واللّائي لم تُتَح لهنّ فُرص التعبير عن مكنوناتهنّ. كانت صاحبة «القبّرات الساذجات» تَستحضر، مثلًا، الأمّهات والجدّات والنساء المقموعات، تَجلس معهنّ، تُحاورهنّ، تَستنطق صمتهنّ الطويل، تفتح لهنّ بابَ البَوح الذي حُرِمْنَ منه في واقعهنّ المعقّد والمعزول.
ومن هنا نرى أنّ أدبَها ارتبطَ بالمرأة الجزائريّة بشكلٍ عضوي، وتحوَّلت نسوةُ بلادها إلى بطلاتٍ لمعظم أعمالها الروائيّة والقصصيّة. كما أنّ آسيا جبّار جَعلتْ من سيرتِها الذاتيّة وتجاربها الفرديّة مرآةً للذاكرة الجماعيّة، وسلاحًا لكسْرِ جدار الصمت وإعادة كتابة التاريخ الجزائريّ ومنطقة المغرب العربيّ بصورةٍ تَستهدف تصحيحَ الحاضر والانطلاق نحو مُستقبلٍ جديد ومتطوّر.
إذًا، لم يكُن أدب آسيا جبّار مجرّد مُحاكاةٍ نقديّة للواقع أو وصفٍ مُرٍّ لمُعاناة النساء، بل كان في جوهره فعلَ مُقاوَمة، لأنّ الكاتبة التزمتْ منذ بداياتها بقضيّتها الأولى، قضيّة الوطن والتحرُّر من الاستعمار الفرنسي، وكَتبت من مَوقع الانتماء إلى الأرض والتاريخ، ومن مَوقع الإيمان العميق بالحريّة. ومع الالتزام بالوطن، التزمَتْ، كما أَسلفنا، بالمرأة والمُهمَّشين وعَكَسَتْهُم حضورًا نابضًا في نصوصها، وخلَقت لهم ذاكرةً مضادّة للنسيان، فمَزجت بين السرد والتاريخ وبين الشهادات الحيّة والوثائق والأصوات، لتَصنعَ أدبًا يَجمع بين الذّاتيّ والجمعيّ، بين الخاصّ والعامّ، وبين السيرة الواقعيّة وأمداء الخيال.
ولا غَرْوَ، فقد وُلدت كاتبتُنا الكبيرة في زمنٍ كانت الجزائر فيه تَرزح تحت وطأة الاستعمار الفرنسي. ومنذ ذلك الوقت بَدأت رحلتُها المُتحدّية التي ستَجعل منها واحدةً من أبرز الأصوات الأدبيّة والوطنيّة، ليس في بلدها الجزائر ومنطقة الشمال الأفريقيّ فقط، وإنّما على مستوى أوروبا والعالَم، وهي التي يُقال فيها إنّها الكاتبة التي نَقلتِ الروايةَ الجزائريّة بجدارةٍ إلى ضفاف العالميّة.
ولأنّها كانت تَكتب بلغةٍ فرنسيّة فائقة التوهُّج والخصوصيّة، مُتميّزةً في ذلك حتّى عن فرنسيّة الكثير من أديبات فرنسا الكبار وأدبائها، فقد مَنحتها الأكاديميّة الفرنسيّة عضويّةَ الشرف في سجلّاتها الذهبيّة، وكانت بذلك أوّل امرأة عربيّة تَحظى بهذا الشرف، وخامس امرأة على مستوى العالَم تَدخل الأكاديميّة التي يفخر بها الفرنسيّون ويَعتبرونها تاج هويّتهم اللّغوية والإبداعيّة ويُطلقون عليها اسم «مؤسّسة الخالدين». ومن هنا جاء احتفاءُ الرئيس الفرنسي جاك شيراك بدخول آسيا جبّار الأكاديميّة الفرنسيّة في العام 2005 قائلًا وبالحرف الواحد من ضمن ما قال: «لقد اختارتْ آسيا جبّار أن تسكن لغتَنا بصورة رائعة، فأهلًا بها وبجهودها المشهودة والمميَّزة في هذا المضمار».
عودة إلى السرد
وحول لغتها الفرنسيّة الاستثنائيّة وأسلوبها السرديّ الذي يُذكّرنا بأجواء كاتبات فرنسيّات من طراز: سيمون دو بوفوار، وجورج ساند، وفرنسواز ساغان، وسيدوني غابرييل كوليت، وآني إرنو وغيرهنّ.. وغيرهنّ، يقول الناقد والروائي الجزائري د. حبيب مونسي: «إنّنا حين نَقرأ كتابتها نتحسّس ذلك التألُّق البهيّ في اختيار اللّفظ، وتلك الرشاقة الأرستقراطيّة في سبْكِ العبارة، وذلك الفضاء المُشرِق الذي يَسبح فيه الخيال، فقد استطاعتْ أن تَستجمعَ في لغتِها جماليّات كثيرة من «الفلوبيريّة» إلى «البروستيّة» مع مزيجٍ من شعريّة «مالارميه» يَتخلّل بُنى جملها القصيرة ويوقّعها».
أَصدرت آسيا جبّار روايتها الأولى «العطش» في العام 1957 (عن دار جوليار الفرنسية) وكانت لم تَتجاوز بعد سنّ العشرين، وتوالت أعمالُها مثل «عديمو الصبر» – 1958 و«أطفال العالَم الجديد» – 1962 و«القبّرات الساذجات» – 1967. ثمّ توقّفت عن الكتابة الروائيّة لتجرِّب أشكالاً إبداعيّة أخرى، فأصدرت مسرحيّة «أحمر لون الفجر» – 1969، ومجموعة شعريّة بعنوان «من أجل جزائر سعيدة» – 1971، ثمَّ أَنجزت فيلمَها الروائيّ الطويل: «نوبة نساء جبل شنوة» – 1977، الذي أَعاد تقديم التراث الموسيقيّ والغنائيّ النسائيّ في جبل شنوة. ثمّ فيلمها الوثائقي أو التسجيلي: «الزردة وأغاني النسيان» – 1978.
بعد هذه التجارب الإبداعيّة السينمائيّة، عادتْ آسيا جبّار إلى السرد بقوّة ومن خلال مجموعة «نساء الجزائر في بيوتهنّ» – 1980، المُستوحاة من لوحة ديلاكروا الشهيرة، لكنّها حوَّلت فيها الصورة الجامدة إلى أصواتٍ نسائيّة تتحرّك في فضاء الذاكرة والمُقاوَمة. ثمّ جاءَ عملُها الأبرز «الحبّ، الفانتازيا» في العام 1985 الذي اعتبَره النقّادُ نقطةَ تحوُّلٍ كبرى في مسيرتها الأدبيّة، حيث مَزجت فيه بين السيرة الذاتيّة والتاريخ وأصوات النساء الجزائريّات، وبلْورت من خلال قراءة الوثائق الاستعماريّة الفرنسيّة نصًّا يُزاوِج بين التاريخ المكتوب والذاكرة الشفويّة، بين الوقائع والخيال، بين الماضي والحاضر. توالت بعد ذلك أعمالُها: «ظِلّ السلطانة» -1987، «بعيدًا عن المدينة المنوّرة» – 1991، «واسع هو السجن» – 1995، «بياض الجزائر» – 1996، «ليالي ستراسبورغ» – 1997، «وهران، لغة ميّتة» في العام نفسه، ثمّ أعمال أخرى تنوّعت بين الرواية والمسرح والنقد والفكر.
كانت آسيا جبّار منشغلة على الدوام بمسألة اللّغة. صحيح أنّها كَتبت بلغة بودلير، لكنّها ظلّت تَشعر بأنّ هذه اللّغة هي «لغة المَنفى» و«لغة الغريب»، ومع ذلك استطاعت أن تُحوِّل هذه الفرنسيّة إلى أداتها الخصوصيّة، وأن تملأها بنبضِ الهويّة العربيّة الجزائريّة وروحِها ذات النكهة «الشرشاليّة» (شرشال هي المدينة التي وُلدت فيها غرب الجزائر العاصمة، وأَوْصَت بأن يُدفن جثمانها فيها). كانت تقول إنّها لا تستطيع أن تقول كلمات الحبّ بالفرنسيّة، لأنّها تعود في عُمقها إلى لغة الطفولة، إلى العربيّة تحديدًا المغروزة فيها غَرزًا جنينيًّا. وهذا التوتُّر بين اللّغتَيْن، ظلّ على طول الخطّ البيانيّ لتجربتها جزءًا من مُعاناتها الإبداعيّة، وجزءًا من خصوصيّة مشروعها الأدبيّ.
وليس غريبًا الذي يُقال بأنّ نِتاجها السرديّ على مستوى الرواية والقصّة، قد أَعاد النّظر حتّى في الأشكال السرديّة الفرنكوفونيّة الجزائريّة الأخرى، التي كانت سائدة بقوّة في الستّينيّات والسبعينيّات من القرن الماضي، بخاصّة لناحية تطوّره لديها أسلوبًا ورموزًا ومضامين، بالمُقارَنة هنا طبعًا مع كتّابٍ كبار من طراز: كاتب ياسين ومحمّد ديب، ومالك حدّاد، ورشيد بوجدرة وغيرهم… وربّما من هنا جاء امتياز ترشيح كاتبتنا لنَيْلِ جائزة نوبل للأدب بدءاً من العام 2009، وكان اسمها يَصل في كلّ مرة إلى مرتبة الأسماء الثلاثة الأولى المُتنافِسة على لائحة الجائزة خلال مدى خمس دوراتٍ متوالية. ويَروي الشاعرُ الفرنسي برنار نويل، وهو صديق للعرب والمُنافِح القويّ عن القضيّة الفلسطينيّة في فرنسا وأوروبا، أنّه قالَ لآسيا جبّار «لا تتعبي نفسك سيّدتي، وتعيدي الكرّة للترشيح لنوبل، فهذه الجائزة هي سياسيّة بامتياز، ولن تحصلي عليها إلّا إذا زرتِ إسرائيل وأخذتِ الضوءَ الأخضر من هناك».. وكان ردّها بحسب الفرنكوفونيّ السوريّ طوني عابد مخّول، ونقلًا عن صديقه الشاعر الفرنسي برنار نويل نفسه: «تبًّا لهكذا جائزة إذا كان ثمنها خيانة الشعب الفلسطيني والاعتراف بإسرائيل هذه الدولة الغاصبة الكريهة والعنصريّة بامتياز».
النَّبش في الطبري وابن هشام والبخاري
وإذا كانت آسيا جبّار تَكتب بأسلوبٍ حداثوي «غربي» متقدّم، أجواءً وأسئلةً ورؤيةً، فإنّها كانت في الوقت عينه تَحفر في عُمق التراث العربيّ الإسلاميّ لتوظّفه في سياق الرّاهن والمستقبل. ففي روايتها «بعيدًا عن المدينة» اجتهدتْ كاتبتُنا للنبش في تراث المؤرّخين العرب الأوائل، خصوصًا في حقبة العصر الإسلاميّ الأوّل، فتوغَّلت مثلاً في مصنّفات: «تاريخ الطبري»، و«سيرة ابن هشام»، و«طبقات ابن سعد» و«صحيح البخاري».. فكَّكت نصوصَها، ورأت أنّ مشهد المرأة فيها كان عابرًا وهامشيًّا، وأنّ الحضورَ الذكوريّ هو المُهَيْمِن والمُسيطِر على المَشهد العامّ، لكنْ بالمقارَنة مع المرأة العربيّة اليوم، فإنّ شقيقتها بالأمس، أي في التاريخ القديم، كان وضعها أفضل بأشواط ممّا هو عليه راهنًا؛ فشخصيّة «سجاح»، هذه المرأة التي فَتنتِ العرب، ونالت إعجابهم بقوّة نفوذها وسلطتها، بدت كما تقول آسيا جبّار في شرح الطبري، شخصيّة ضبابيّة على نحوٍ كبير، إلّا أنّ مؤرّخَنا الكبير لم يَستطع، في المقابل، أن يغفلَ عن إظهارها كصاحبة سلطة ونفوذ على الرجال، وأنّها تزوّجت «مسيلمة الكذّاب» ولكنْ بشروطها هي، ولأهدافٍ محض سياسيّة، وسرعان ما طلّقته من دون أن تَخسر شيئًا من هيبَتِها ونفوذِها بين القبائل؛ الأمر الذي لم تكُن لتجرؤ عليه حتّى الآن نساؤنا العاملات في السياسة والاجتماع في «موقع القيادة».. هذا إذا صحّ قولنا «موقع القيادة» اليوم.
هكذا باختصار، قامت آسيا جبّار بمُناقشة النصوص التاريخيّة القديمة بنديّةٍ نقديّة، وإلى حدّ تأسيس نصٍّ نقديّ راهن مُوازٍ للنصّ القديم، بهدف فتْح أُفقٍ عريض للقارئ وجعْلِه يُشارِك معها في التأسيس والتصويب من خلال عنصر «المخيال العاقل».
في مجمل الأمر إنّنا نَلحظ، ويَلحظ معنا كثيرون أيضًا، أنّ آسيا جبّار لا تروي التاريخ كما دُوِّن في المصادر والوثائق بطريقة تقليديّة، بل هي تُعيد تركيبه من منظور آخر.. لكأنّها بذلك استطرادًا لا تُعايِن هذا التاريخ بقدر ما تَكتبه من جديد، جاعلةً من الصوت الأنثويّ بالتحديد لحمتَهُ وسداه.. ودائمًا على طريقتها في اتّجاه تسجيل أدب يُسهِم إسهامًا خلّاقًا في معركة المرأة العربيّة ضدّ الإلغاء والتهميش.
رحلتْ آسيا جبّار في العام 2015، لكنّها تركتْ وراءها إرثا سيَظلّ جزءًا من الذاكرة الثقافيّة، ليس في الجزائر وحدها، بل في العالَميْن العربيّ والفرنكوفونيّ. لقد أَثبتت أنّ الأدبَ يُمكن أن يكون سلاحًا فعّالًا في مُقاوَمة الظلم، وأنّ الكلمةَ حين تَنبضُ بالصدق يُمكن أن تُخلِّدَ صاحبَها، لتظلّ آسيا جبّار حاضرةً بعد رحيلها، مثلما أرادت دومًا أن تكون.
*كاتبة وأستاذة جامعيّة من الجزائر
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.