يأتي الهلال، لا كخبرٍ فلكي، بل كنداءٍ سماويّ يحرك في أعماقنا حنينًا قديمًا إلى الطمأنينة، وكأن السماء تميل نحو الأرض قليلًا وتهمس: خفّفوا أمتعتكم، فالسفر إلى الله لا يحتاج جلب المزيد من الأمتعة.
من هنا يبدأ المعنى الحقيقي للشهر. رمضان ليس شهرًا يُضاف إلى التقويم، بل مساحةً تُضاف إلى الروح. فيه يُختبر الإنسان في علاقته بنفسه: بين الجوع والجود، بين الصمت والصدق، بين ما يملك وما يُمسك عنه.
هو زمن تُوزن فيه الأشياء بعمق أثرها، لا ببريقها الخاطف. وتُختبر فيه النيّات في عزلتها، وتنكشف فيه المسافات الخفيّة بين ما نظهره وما نعيشه حقًا.
لهذا تتوهّج العيون بالفرح حين يقترب، فرحًا لا يحتاج إلى تفسير.
في لياليه، يبدو القمر أقرب، كأنه يشارك الناس سرّ الفرح الخفي. الأصوات أدفأ، الخطوات أهدأ، والوجوه يكسوها الصفاء، وكأن الشهر الكريم مرّ عليها بفرشاة نور.
وعند لحظة الإفطار، تنكسر المسافة بين الأرض والسماء في دعوةٍ. تتوقّف الضوضاء لثوانٍ، ويتصافح الجوع مع الشكر على مائدة الإفطار، فيولد في الداخل إحساسٌ شفيف بأن النعمة ليست في كثرة الطعام، بل في حضور القلب. ويبدو الخبز أطيب، والماء أعذب، لأن الامتنان يضيف نكهته الخفية لكل شيء.
فالسر إذن ليس في المائدة، بل في المعنى الذي يجلس إليها. وليس في الفوانيس المعلقة، بل في الضوء الذي ينساب إلى الصدر حين يُتلى القرآن. فيهدأ الضجيج، وتخفّ حدّة الركض وتلين الحواف الحادة للحياة، ويكفّ الإنسان عن الركض، خلف المغريات. ةلكن… في منتصف هذا الصفاء تبدأ المفارقة بالتشكّل. تستعدّ الأرواح… غير أن الشاشات تستعدّ أكثر.
المسلسلات حجزت ساعات الليل،والمسابقات رتّبت الأسئلة، والعروض جهّزت لافتاتها، وكأن رمضان لم يأتِ ليوقظ الإنسان، بل ليشغله عن نفسه بطريقةٍ أكثر أناقة.
وبدلًا أن يكون الشهر فرصة للتخفّف، أصبح فرصة للاستهلاك المكثّف. استهلاك الوقت حتى يتسرّب من بين أيدينا، واستهلاك السهر حتى يبهت لون الليل واستهلاك المشاعر التي تُبثّ بين إعلانٍ وفاصل.
لنتساءل بعد ذلك كله لماذا اختفت السكينة من قلوبنا؟ الزينة تملأ الشوارع، الفوانيس تلمع، الموائد تكتظ بأصناف الأطعمة، والصور تُنشر أسرع مما يُستشعر معناها.
ويتحول الإفطار إلى لقطة، واللحظة إلى محتوى. وروحانية الشهر الكريم إلى هاشتاق.
لست ضد الفرح، ولا ضد الجمال؛ فالدين الذي شرّع الصوم، شرّع البهجة أيضًا. لكن الفرق شاسع بين أن يكون الفرح نافذةً على الروح، وبين أن يتحوّل إلى ستارةٍ كثيفة تحجبها.
كان رمضان قديمًا يُعرَف بصوت القرآن قبل ضجيج الإعلانات، وبدعاء التراويح قبل برامج المقالب. بسيقان متعبة في صلاة القيام لا بعيون متسمرة انتظارًا لأحداث الحلقة القادمة.
كان الليل مساحة تأمّل، لا مسابقات وفوازير. وكان الجوع تدريبًا على الشعور بالآخر، لا مجرّد تمهيدٍ لوليمةٍ تُصوَّر أكثر مما تُؤكَل.
وعندما تميل شمس آخر يوم نحو الغروب، ينسحب الضوء ببطء عن أطراف النوافذ. نغلق المصحف، نلملم الفوانيس عن الشرفات برفق، وتتراجع الظلال من الجدران، كأنها تعرف أن الليل صار أخفّ وأهدأ. ويمد الليل يده عبر الأزقة والشوارع، حاملًا شيئًا لم نستطع رؤيته، لكننا نشعر به: مساحة فارغة، أوسع من أي شعور سابق، مكان للطمأنينة لم نعرف أنه موجود، حتى جعلنا رمضان نراه، ولو للحظة قصيرة.