هناك، في قلب الدرعية، وُلد الكيان، وارتفع البنيان، وتأسست الدولة السعودية الأولى على التوحيد والإيمان، فامتد ظلّها، واتسع عدلها، وترسخت أركانها حتى عام 1233هـ / 1818م، لتبقى سيرتها في الوجدان عنوانًا للصمود والثبات.
ثم لمّا ظنّ الظانّ أن المجد قد انقضى، عاد من رحم العزم نداءٌ جديد، فأعاد الإمام تركي بن عبدالله بن محمد بناء الدولة في عام 1240هـ / 1824م، معلنًا قيام الدولة السعودية الثانية من جديد في الرياض، لتؤكد أن هذا الوطن لا ينكسر، وأن جذوره أعمق من أن تُقتلع، وأن عزيمته أصلب من أن تُهزم.
ومع مطلع القرن الرابع عشر الهجري، بزغ فجر التوحيد الأكبر، حين استعاد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود مدينة الرياض عام 1319هـ / 1902م، فكانت لحظةً فارقة، وخطوةً واثقة، ومسيرةً ملؤها الكفاح حتى أعلن توحيد البلاد باسم المملكة العربية السعودية في 21 جمادى الأولى 1351هـ الموافق 23 سبتمبر 1932م، فتوحدت الأقاليم، وتلاحمت القلوب، واجتمعت الكلمة تحت راية التوحيد.
هكذا تسلسلت الأيام، وتعاقبت الأعوام، من 1727 إلى 1818، ومن 1824 إلى 1891، ومن 1902 إلى 1932، أرقامٌ ليست مجرد تواريخ، بل شواهد عزّ، ومحطات مجد، ومواقيت عهدٍ ووعد. تاريخٌ كُتب بالصبر لا بالترف، وبالعمل لا بالصدف، وبالإيمان لا بالادعاء.
وفي يوم التأسيس، لا نحتفي بذكرى عابرة، بل نستحضر مسيرةً ظافرة، جذورها ضاربة في العمق، وأغصانها سامقة في الأفق. نحمد الله على وطنٍ أمنه راسخ، وبناؤه شامخ، وقيادته سائرة على نهج الآباء المؤسسين، تحفظ العهد، وتصون المجد، وتمضي بالمستقبل إلى آفاقٍ أرحب وأمجد.
يا يوم التأسيس، يا قصة ثلاثة قرون من الثبات، يا مسيرة أئمة وملوك حملوا الأمانة فأدّوها، وحموا الديار فصانوها، وكتبوا في سجل التاريخ سطورًا من نور. سيبقى هذا الوطن – ما بقيت الأيام – عنوان الفخر، وموطن العز، ومهد التأسيس الذي منه بدأ المجد، وبه يستمر العهد، وعليه يتجدد الوعد.