ما مر به «جيلي» في التعليم لا يرتقي إلى مسمى «معاناة» مقارنة بما جرى لأجيال سبقتنا، كان في جيلنا بعض الصعوبة التي لم نشعر بها، لسببين: الأول كنا نظن أن هذه هي الحياة الطبيعية على الكوكب، الثاني: أننا خاضعون لمنظومة متكاملة ترفض «الدلال»: الأسرة، المجتمع، والمدرسة.
(2)
تتلمذتُ على أيدي معلمين بمرتبة «آباء»، في قرية بلا كهرباء، في أقصى الشمال، كان «الغياب» عن المدرسة، أمرا معيبا، ومؤشر فشل، وغياب المعلم محل نقاش، ومن الطرائف أنني كنت في الصف الرابع الابتدائي فشعرت بتوعك شديد، فأخذني أحد الإداريين إلى المنزل، دخلتُ وألقيت السلام، ولم ترد والدتي – رزقها الله الفردوس – التحية، وسألتني عن سبب المجيء، قلت: مريض!، فأمرتني بالعودة للمدرسة، فعدتُ على قدميّ في البرد 2 كم، ثم أخبرتْ والدي الذي عاتب المدرسة على إخراجي من المدرسة.
(3)
وزارة التعليم سنّت القوانين، وفعلت كل شيء من أجل السيطرة على «عدم الغياب»، والمشكلة ليست في الطلبة، ولا الوزارة، المشكلة في الأسرة، الأسر اليوم لا تملك «صرامة» المشفق من جهة، ونقصان الحس التربوي من جهة أخرى، فالصغار يسمعون من «قدواتهم» تمجيد الغياب، والتأفف من المدرسة والتقليل من «قيمتها»!
(4)
الانضباط بحاجة إلى مشروع متنوع، من التوعية وحتى القانون الصارم، مرورا بالمتابعة الدقيقة، والاجتماعات المستمرة مع الأهالي، وتعظيم دور «المدرسة».
(5)
القانون الصارم يجب أن يكون واقعيا منطقيا تربويا، قابلا للتطبيق، إضافة إلى ضرورة تعاون مؤسسات المجتمع، والمسجد، في التوعية، والحث، والتحريض.
(6)
البهجة والتباشر بـ«تعليق الدراسة» محل نظر، ندرك طبيعة النفس البشرية وميلها للراحة والدعة، ونفورها من الأعباء والمسؤولية، ولكن التحدي الذي يجب أن نخوضه هو كيف نجعل الطالب مغرما بالعلم، مولعا بالمعرفة، محبا للمدرسة، حزينا لفراقها، كارها للغياب؟