قبل سنوات كانت الرقمنة تُعامل في كثير من الدول بوصفها إضافة تقنية. وفي المملكة العربية السعودية تغير هذا المفهوم جذريا بعد إطلاق رؤية 2030 التي أطلقها سمو ولي العهد، ومن أحد مستهدفاتها الإستراتيجية أن تكون المملكة ضمن أفضل خمس حكومات رقمية في العالم. ومن المرتبة 52 عالميا عام 2018 قفزت المملكة إلى المرتبة السادسة في المؤشر الأخير الصادر عام 2024، وحتى انتظار نتيجة التقرير الذي سيصدر عام 2026؛ كان التحول الرقمي يتم ضمن إطار شامل لإعادة هندسة الإجراءات وتوحيد الرحلات الخدمية، وتقليل الاحتكاك البيروقراطي، ولم تعد الخدمات بدائل رقمية لمسارات ورقية، بل أصبحت القاعدة التي تُبنى عليها تجربة المستفيد من البداية إلى النهاية.
ما تحقق من قفزات هائلة وفق مؤشر الأمم المتحدة (EGDI) في التحول الرقمي بالسعودية، يقف خلفه دور كبير لهيئة الحكومة الرقمية بوصفها الجهة المنظمة للمشهد الرقمي الحكومي بتوحيد المعايير، ورفع جودة التجربة، وتعزيز التكامل بين مختلف الجهات، بترسيخ مفهوم الخدمة «كمنظومة». هذا الدور انعكس على حياة الأفراد وقطاع الأعمال باختصاره لزمن الإنجاز، وتقليل الخطوات الإجرائية، وتوسيع نطاق الخدمات المترابطة وتحسين مستويات الشفافية والأمان.
ومع انتظار نتائج مؤشر الأمم المتحدة (EGDI) عام 2026؛ قد نتساءل: هل يكفي ما تحقق للوصول إلى قائمة الخمسة الأوائل عالميا قبل 2030؟
الاقتراب من هذا الهدف ممكن إذا حقق ثلاثة عوامل يشترطها المؤشر بوضوح، وتحرص على تحقيقها هيئة الحكومة الرقمية في عملها بوضوح أيضا، وستراعيها بالتأكيد أكثر خلال تطوير أعمالها. أول هذه العوامل: تكامل الرحلات الخدمية والحرص على إلغاء التكرار وربط البيانات بين الجهات، وتقديم مسار واحد واضح للمستفيد. وإن حدث أي انقطاع في الرحلة الخدمية أو تكرار وازدواجية في الطلبات سينعكس هذا فورا على التقييم.
العامل الثاني: تمكين المستفيد والمشاركة الفاعلة ليس عن طريق جمع الآراء والتقييمات فحسب، بل بدمج هذه الآراء في تصميم الخدمات وتحسينها المستمر مع قياس رضا المستفيد ووقت الإنجاز وجودة التجربة، كمؤشرات أداء رئيسة.
العامل الثالث: حوكمة البيانات واتخاذ القرار المبني على الأدلة المعتمدة، وهذا ما سيحول الرقمنة من واجهة تقنية إلى أداة إستراتيجية تفتح البيانات القابلة للاستخدام وتربطها بلوحات قياس تشغيلية.
التحدي القادم ليس تقنيا بحتا، بل إداري وثقافي أيضا بالانتقال من عقلية «إنجاز الطلب» إلى عقلية «تصميم التجربة»، وهو ما يتطلب إعادة تعريف مؤشرات النجاح داخل الجهات المستهدفة وربطها بأثر اجتماعي واقتصادي ملموس، كما يتطلب تقديم التكامل على التوسع في إصلاح الروابط بين الخدمات أولا ثم إضافة خدمات جديدة.
المنافسة عالمية ومكثفة، والرؤية وضعت سقفا طموحا، والإنجازات الحالية تؤكد المقدرة على تجاوز هذا السقف والإبداع فيه، بالدور المحوري الذي تقدمه هيئة الحكومة الرقمية التي تأسست عام 2021 كجهة مختصة بتنظيم وتمكين الحوكمة الرقمية في المملكة، من خلال توحيد المنهجيات وتطوير الأطر التنظيمية وإطلاق الأدلة والبرامج الوطنية وتمكين الجهات الحكومية من تقديم خدمات رقمية أكثر كفاءة، والحرص على تقييمها وتطويرها مع شركائها من هذه الجهات لبناء منظومة رقمية تركز على المستخدم أولا، والتكامل قبل زيادة التوسع في الخدمات، واعتماد مؤشرات تتبع التجربة كاملة من الطلب إلى الإغلاق وتربط الأداء بالأثر.
هل سنصل إلى الخمسة الأوائل قبل 2030؟
الاحتمال قائم. والجهود واضحة ومستمرة وقائمة الآن، كما القرار الذي سيتخذ قريبا وكلاهما يعتمدان على التفاصيل الدقيقة من جودة التنفيذ، وسرعة التعلم من المستخدمين وفي المقدرة على تحويل التحول الرقمي إلى قيمة عامة مستدامة تتحدث فيها -وتفصْل- لغة الأرقام.