الحقيقة النفسية التي يغفل عنها المجتمع هي أن التوتر، لدى بعض الأشخاص، ليس حالة طارئة بل جزء من تكوينهم العصبي والشخصي، هناك أفراد يولدون بجهاز عصبي أكثر يقظة واستجابة للمثيرات، يلتقط الإشارات بسرعة، ويفكر باستمرار، ويستعد دائمًا لما قد يحدث، هذا النمط لا يُعد اضطرابًا بحد ذاته، بل هو اختلاف في طريقة تفاعل العقل مع العالم.
من خلال الجلسات العلاجية، يتضح أن بعض الأشخاص لا يشعرون بالراحة حين يهدؤون، عندما تخف الضوضاء الخارجية، تبدأ الضوضاء الداخلية بالظهور، أفكار مؤجلة.. مشاعر مكبوتة، أو إحساس بفقدان السيطرة، في هذه الحالة يصبح التوتر حالة مألوفة، بل أحيانًا شعورًا بالأمان، لأنه يمنح العقل إحساسًا باليقظة والسيطرة؛ لذلك، مطالبة هؤلاء بالاسترخاء القسري قد تزيد معاناتهم بدل أن تخففها.
التوتر في حد ذاته ليس عدوًا، في كثير من الأحيان يكون مصدرًا للانتباه، والدقة، وتحمل المسؤولية، والإنجاز، كثير من الأشخاص الناجحين في مجالاتهم يحملون هذا النوع من التوتر الداخلي الذي يدفعهم للأداء العالي، المشكلة لا تبدأ إلا حين يصبح التوتر مستمرًا بلا توقف، حين لا يعرف الجسد معنى الأمان، وحين تتحول اليقظة إلى إنهاك مزمن.
عندما يبدأ التوتر بالتأثير على النوم، أو يظهر في شكل آلام جسدية متكررة، أو يفسد العلاقات، أو يجعل الشخص عاجزًا عن الاستمتاع بأي لحظة هدوء، هنا لا نتحدث عن طبيعة شخصية فقط، بل عن إجهاد عصبي يحتاج إلى فهم ودعم مهني. العلاج النفسي في هذه الحالة لا يهدف إلى تحويل الشخص المتوتر إلى إنسان هادئ بطبعه، بل إلى مساعدته على تنظيم توتره، وإيجاد مساحات أمان داخلية لا تعتمد على القلق الدائم.
من أكثر الأخطاء الشائعة التي يقع فيها المجتمع هو محاولة إصلاح المتوترين بدل فهمهم، عبارات مثل «اهدأ»، «لا تفكر كثيرًا»، أو «خذ الأمور ببساطة» قد تبدو ناصحة، لكنها في الواقع تتجاهل طبيعة الشخص وتحمّله شعورًا بالذنب تجاه شيء لم يختره، الصحة النفسية لا تعني التشابه، بل تعني القدرة على العيش بتوازن ضمن اختلافاتنا.
الشخص المتوتر بطبعه لا يحتاج إلى إلغاء توتره، بل إلى تعلم كيف يتعايش معه دون أن يدمّره، يحتاج إلى تفريغ لا كبت، وإلى فترات تهدئة قصيرة ومتكررة بدل انتظار هدوء طويل لا يأتي، يحتاج إلى قبول ذاته أولًا، قبل البحث عن التغيير.
الرسالة الأهم التي يجب أن تصل للمجتمع هي أن التوتر ليس دائمًا مرضًا، كما أن الهدوء ليس دائمًا دليل صحة، التنوع النفسي حقيقة، واحترام هذا التنوع هو أساس أي مجتمع يسعى إلى وعي نفسي حقيقي، الإنسان المتزن ليس من لا يتوتر أبدًا، بل من يعرف كيف يفهم نفسه، ويحميها، ويعيش معها بسلام.