وفي ضوء التصعيد الحالي في المنطقة، وما يشهده من توترات بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إضافة إلى الاعتداءات التي طالت دول الخليج، فإن هناك مجموعة من الدروس الإستراتيجية التي يمكن اعتبارها بمثابة «نداءات استيقاظ» حقيقية لدول الخليج، ومن أبرزها:
أولًا:
لطالما أكدنا في الطروحات السابقة على ضرورة النظر إلى دول الخليج كمنظومة إستراتيجية متكاملة، رغم أي تباينات سياسية أو اختلافات في العلاقات الإقليمية. وقد أثبتت التطورات الحالية أن أي صراع واسع النطاق لن يميز بين دولة وأخرى داخل الخليج، في مقالاتنا السابقة، كنا نحرص باستمرار على تسليط الضوء على مفهوم «الخليج» كوحدة إستراتيجية واحدة، ونكرر الإشارة إلى «الخليجيين» في سياق التهديدات والمخاطر المشتركة. وقد لفت ذلك انتباه أحد الزملاء قبل فترة، حيث تساءل مستغربًا: كيف يمكن الحديث عن الخليجيين ككتلة واحدة في ظل ما يبدو من تباينات، وأنهم «ليسوا على قلب رجل واحد ولا في قارب واحد»؟
وكان جوابي واضحًا حينها: إذا اندلعت الحرب، فلن يكون هناك استثناء لأي دولة خليجية، فطبيعة الصراعات الكبرى لا تعترف بالفروق السياسية أو العلاقات المرحلية. وأذكر أنه أصرّ على وجهة نظره، مشيرًا إلى أن بعض الدول قد تُستثنى بحكم علاقاتها السابقة مع إيران، إلا أنني أكدت له أن مثل هذا التصور غير واقعي، وأن منطق الصراع الشامل لا يترك مساحة لمثل هذه الاستثناءات.
والواقع أن هذا الطرح لم يكن اجتهادًا شخصيًا فحسب، بل يتقاطع مع تحليلات كبار الخبراء في العلوم السياسية والدراسات الإستراتيجية. فعلى سبيل المثال، كان الباحث البارز أنتوني كوردسمان، في تقاريره الدورية حول التوازن الإستراتيجي العسكري في الخليج، يتعامل مع دول الخليج ككتلة واحدة في مواجهة إيران، سواء في التحليل أو في المقارنات العسكرية، وهو ما يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة التوازنات الإقليمية، ويؤكد أن التهديد في جوهره جماعي، وليس فرديًا، وهو ما تأكد واقعيًا في هذه الأزمة.
ثانيًا:
أظهرت دول الخليج، خلال هذه المواجهة، مستوى متقدمًا من الجاهزية الدفاعية والقدرة على إدارة الأزمات، وهو ما فاجأ الكثيرين، سواء من الخصوم أو حتى من بعض الحلفاء. فعلى الرغم من كثافة الهجمات التي شملت أعدادًا كبيرة بالآلاف من الصواريخ والطائرات المسيّرة، تمكنت أنظمة الدفاع الجوي من تحقيق نسب اعتراض تجاوزت 90 %، وهي نسبة تُعد عالية جدًا وفق المعايير العسكرية العالمية. بل إن بعض التقديرات تشير إلى تجاوز هذه النسبة في بعض الحالات، ما يعكس كفاءة المنظومات الدفاعية وتكاملها. وهذا بدوره يؤكد أن الاستثمارات الخليجية في مجال التسليح، والتي كان البعض يقلل من أهميتها، كانت في محلها، وبدأت ثمارها تظهر بوضوح في لحظات الاختبار الحقيقية.
ثالثًا:
لقد أشرنا منذ سنوات إلى أن طبيعة النظام الإيراني لا يمكن أن تتحول إلى «نظام طبيعي» بالمعايير الدولية، نظرًا لكونه قائمًا على أيديولوجية توسعية وعدائية متجذرة في بنيته الفكرية والسياسية، وهو ما ينعكس حتى في نصوصه الدستورية. ومع تفاقم الأزمات الداخلية اقتصاديًا واجتماعيًا، اتجه هذا النظام إلى تبني إستراتيجية «تصدير الأزمات» كوسيلة للهروب من الضغوط الداخلية وتشتيت الانتباه. وقد أثبتت الوقائع أن هذا السلوك لم يتغير، بل تعزز عبر دعم الأذرع الإقليمية، وتكثيف برامج التسليح، وتسريع مسارات تطوير القدرات الإستراتيجية، بما في ذلك تلك المرتبطة بالبرامج النووية. يمكن القول إن النظام الإيراني وصل إلى قناعة راسخة مفادها أن تحوّله إلى «دولة طبيعية» بالمعايير الدولية قد يهدد بقاءه، وبالتالي فإنه لا يسعى أصلًا إلى هذا التحول. فمنظومته الفكرية والسياسية قائمة في جوهرها على حالة دائمة من التوتر والتعبئة، وهو ما يجعل الاستمرارية مرهونة بالحفاظ على هذا النمط، لا تغييره.
رابعا: قبل أكثر من عقد من الزمن، أشرنا بوضوح إلى أن المواجهة بين الخليج والنظام الإيراني ليست مسألة احتمال، بل مسألة وقت. وحتى عندما تم توقيع الاتفاق النووي في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق أوباما عبّرنا عن موقف نقدي حاد تجاهه، واعتبرناه اتفاقًا قد يحمل تداعيات سلبية على استقرار المنطقة. فقد كان التقدير حينها أن هذا الاتفاق لن يدفع إيران إلى تعديل سلوكها، بل على العكس، سيوفر لها موارد مالية إضافية ستُوظف في تعزيز مشاريعها التوسعية، وهو ما تجلّى لاحقًا في زيادة دعم الأذرع الإقليمية، وتكثيف برامج التسليح، وتسريع وتيرة تطوير القدرات الإستراتيجية، بما في ذلك المسارات المرتبطة بالبرنامج النووي.
وفي سياق مختلف، جاء الاتفاق السعودي الإيراني برعاية الصين ليعكس مقاربة سعودية براغماتية وذكية، تقوم على توظيف نفوذ قوة دولية تمتلك تأثيرًا مباشرًا في الاقتصاد الإيراني، بل وتُعد أحد أهم شرايينه الحيوية. فاختيار الصين كضامن لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل خطوة محسوبة تهدف إلى تعزيز فرص الالتزام وخلق توازن في الضمانات.
ومع ذلك، فإن التجربة التاريخية تشير إلى أن نظامًا أمضى ما يقارب خمسة عقود في انتهاج سياسات تقوم على المراوغة وعدم الالتزام، لا يمكن التعويل عليه بسهولة في احترام التعهدات أو الحفاظ على الاتفاقات. فالنمط السلوكي المتكرر يجعل من الصعب افتراض تحوّل جوهري في هذا المسار دون وجود ضغوط حقيقية تمس جوهر بقاء النظام ذاته.
خامسا: رغم علمنا أن المواجهة المباشرة مع إيران مسألة وقت، وليست احتمالًا بعيدًا، وهو ما تحقق اليوم. إلا ان الأكثر تأكيدًا كان توقع الإستراتيجية الإيرانية التي تعتمد على قدرتها على تحمل الخسائر البشرية والمادية، مستندة إلى تجارب تاريخية مثل الحرب العراقية الإيرانية، وإستراتيجية (الموجات البشرية)، حيث تكبدت خسائر بشرية جسيمة دون أن ينعكس ذلك على قراراتها الإستراتيجية. وفي المقابل، أشرنا إلى أن أي صراع من هذا النوع، رغم إمكانية تفوق الخليج فيه، قد يطول زمنيًا ويرهق الخليج، لذلك أوصينا قبل سنوات بدخول العامل الأمريكي في أي صراع مستقبلي مع إيران مما يشكل نقطة تحول حاسمة تُسرّع من حسم الصراع، ووضعنا معادلة بالأرقام لقوة الدول وهو ما تؤكده المعطيات الحالية. كما أن النظام الإيراني لا يقدم تنازلات إلا عندما يشعر بتهديد مباشر لبقائه، وليس لمجرد الضغوط التقليدية.
سادسا: قبل سنوات من وصول دونالد ترمب إلى المشهد السياسي، أشرنا في طرحنا إلى محدودية التأثير الأوروبي في موازين القوى الدولية، وذهبنا إلى توصيف صادم حين شبّهنا بعض البنى السياسية الأوروبية بما يشبه «دول الموز»، وإن كانت أكثر تقدمًا من حيث البنية الاقتصادية والتنظيمية، لكنها تفتقر إلى الثقل الحقيقي في القرار الجيوسياسي المستقل. وأكدنا حينها أن النفوذ الأوروبي، في جوهره، يظل مرتبطًا بالمظلة الأمريكية، وأن غياب هذا الدعم كان سيكشف هشاشة القدرة العسكرية الأوروبية، إلى حد أن توازن الردع مع روسيا لم يكن ليصمد دون الدور الأمريكي.
وقد اعتبر البعض هذا الطرح مبالغًا فيه آنذاك، ورأى أن أوروبا رغم تراجعها لا تزال تمتلك أدوات نفوذ مؤثرة. إلا أن التطورات اللاحقة، والتصريحات الصادرة عن قيادات غربية، جاءت لتقارب هذا التوصيف، حيث وصف ترمب الحلفاء الأوروبيين بأنهم أقرب إلى «نمر من ورق»، في تعبير يعكس فجوة بين الإمكانات النظرية والقدرة الفعلية على التأثير، وهو ما لا يبتعد كثيرًا عن الطرح الذي قدمناه سابقًا في مقال «الاتحاد الأوروبي لدول الموز».
سابعا: أما فيما يتعلق بالسلوك الإيراني، فإنه ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لنمط تاريخي متكرر يعكس طبيعة بنيوية في إدارة العلاقات السياسية. فإيران وفق هذا التحليل تتبنى في كثير من ممارساتها سلوكًا أقرب إلى نهج الجماعات الأيديولوجية منه إلى سلوك الدول التقليدية، حيث يغلب على هذا النهج عدم الالتزام الصارم بالاتفاقات، وضعف الاعتبار لمصالح الشعوب مقارنة بالأهداف الإستراتيجية، إضافة إلى تقديم التنازلات فقط في حالات الضغط الشديد أو التهديد المباشر.
وفي هذا السياق، تصور قبل 1400 سنة هذا الوصف الدقيق كأنّه يصف الحاضر، ويستحضر الذهن، وصف الصحابي المقداد بن عمر الكندي في رسالته إلى سيدنا عمر بن الخطاب والذي جاء فيه:
«يلبسون الخيانة، وينزعون الأمانة، تنقصهم الأخلاق والمروءة، لا عهد لهم ولا ذمة ولا وفاء، أهل غدر ومكر ودهاء، إذا شددت عليهم أرخوا لك، وإذا أرخيت لهم شدوا عليك».
وهو وصف بما يحمله من دلالات عميقة يُستخدم هنا لتقريب صورة نمط سلوكي قائم على المراوغة والتكتيك المرحلي، حيث تتبدل المواقف وفق موازين القوة والضغط، لا وفق ثوابت الالتزام أو الأعراف الدولية.
ثامنا:
من المؤسف أن نلاحظ في المقابل ضعفًا واضحًا في أداء بعض المنصات الإعلامية والمحللين في العالم العربي في هذه الحرب، حيث برزت أخطاء تحليلية جسيمة تفتقر إلى الحد الأدنى من الفهم الإستراتيجي والعسكري. بل إن بعض الطروحات كانت أقرب إلى الارتجال منها إلى التحليل المهني، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول معايير الكفاءة والمصداقية في هذا المجال، وتأثير ذلك على وعي المتلقي العربي وصناعة القرار، كأن هناك محاولة حثيثة لاستغباء الوعي العربي!
السؤال الأهم حاليا، بعد أن كشفت هذه الحرب عن واقع جديد، وأعادت تشكيل ملامح التوازنات الإقليمية، وأظهرت بوضوح طبيعة التحالفات ونقاط القوة والضعف، يبقى هو: ما الذي يجب على دول الخليج أن تفعله في المرحلة القادمة؟
الإجابة في مقال لاحق.