منذ أنْ عرفتُ صاحبي هذا قبل أكثر من عشرين سنة، وهو يستشهد دائمًا بأحد كبار علماء الدين الذين تتلمذ عليهم، ولا يقبل النقاش في أيّ مسألة أفتى فيها ذلك الشيخ، فهو المرجع النهائي عنده في كلِّ المسائل الشرعية تقريبًا، ولا يمكن لصاحبي أنْ يقبل أيّة فتوى من أيِّ عالمٍ آخر، إلاّ إذا كانت المسألة من المسائل التي لم يفتِ فيها شيخه.
وشاءت الأقدار أنْ تقع عيني على فتوى أعجبتني، صادرة عن ذلك العالم المقدّس عند صاحبي، ولشدة إعجابي بتلك الفتوى وما فيها من مرونة وسماحة، ذهبتُ إلى المكتبة وبحثت عنها في مؤلفات وفتاوى ذلك الشيخ؛ فلا يكفي أنّي وجدتها في أحد مواقع الإنترنت، فلا بد من التثبت.. وبعد جهد وجدتُ الفتوى في أحد كتب الشيخ، وفي مراجع متعددة، وبشكل مكرّر وثابت لا يقبل الجدل في نسبتها إليه.
ولعلمي أنّ صديقي طالب العلم المذكور، يحمل رأيًا شرعيًا متشددًا في هذه المسألة، يختلف اختلافًا كبيرًا عن رأي شيخه الوارد في تلك الفتوى الجميلة، تردّدتُ في طرح الموضوع عليه؛ لأني لا أرغب في خلق مشاحنة أو صدام معه، فهو عزيز عليّ ولصداقتنا قيمة جيدة عندي.
وبعد طول تردّد وتفكير، قرّرتُ أنْ أطرح المسألة على صديقي بطريقة هادئة ولينة، دون حدّة أو حماس، لعلّه يغير من رأيه المتشدّد إذا وضعتُ أمامه فتوى شيخه الذي يعتبره المرجع الأول في كل المسائل الشرعية والدينية.
تقابلنا في جلسة قهوة، فسألته أولًا: ما رأيك في هذه المسألة، وما هي الفتوى الصحيحة في نظرك حولها؟ انفعل مباشرة كعادته أحيانًا في مثل هذه المسائل، وأعطاني الإجابة المتنطعة التي كنتُ أنتظرها منه وأعرفها عنه. فقلت له: ولكنّ شيخك العالم فلان -الذي تعتبره المرجع الموثوق في كلّ المسائل الدينية والدنيوية- له فتوى معاكسة تمامًا لما تقول، فماذا تقول؟!
حاولَ التهرّب في البداية، واجتهدَ في تغيير الموضوع، ثم قال بعد إلحاح منّي: لم أسمع الشيخ يفتي بهذه الفتوى، وقد يكون أفتى بها منذ زمن طويل في شبابه ثم تراجع عنها. فقلت له: لا يا صديقي، الفتوى تكرّرتْ في كتابين من مؤلفات شيخك، أحدهما قديم نسبيًا، ولكنّ الآخر يعتبر من آخر مؤلفاته قبل وفاته رحمه الله. والفتوى مكرّرة في كتبه، وتنسبها له مراجع كثيرة معتبرة لا يمكن أن تجتمع على الكذب، ولم يقلْ أحدٌ إنّ شيخك تراجع عنها، فالأصل بقاء الشيء على حاله ما لم يرِدْ دليلٌ يثبت العكس.
وهنا ضاقَ صاحبي بي ذرعًا، وضاقتْ عليه أرضُ الحوارِ بما رحبت، انفعل وانتفض وتغيّرت ملامح وجهه غضبًا، وقال: كلٌ يُؤخذ من كلامه ويُرَدّ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهنا تبسّمتُ حتى بدتْ نواجذي، وقلت: يا صديقي لي أكثر من عشرين سنة وأنا أردّ عليك بردّك هذا في مسائل كثيرة، وأقول لك: كلٌ يُؤخذ من كلامه ويُرَدّ إلا رسول الله، خاصة عندما تورد أمامي فتوى لشيخك وكأنها وحيٌ من الله لا يقبل النقاش أو الاعتراض.
وللأسف: أفسد اختلافي مع صديقي في هذه المسألة للود قضية؛ عنده هو فقط، وليس عندي أنا، فقد ذبلتْ وردةُ صداقتنا بعد تلك الجلسة، التي لو علمتُ أنّها ستؤدي إلى تلك النتيجة لما طرحتُ عليه فيها ما طرحت.
صديقي هذا يتابع المقالات ومواقع التواصل، وأملي كبير أنْ تقع عينه على هذه المقالة، التي أرسلُ له في ختامها الرسالة الموجزة التالية:
يا صديقي العزيز: رغم أنّ وردة صداقتنا ذبلتْ، إلاّ أنها ما زالت تحتفظ بعطرها، فمرحبًا بك في أيِّ وقتٍ تقرّرُ فيه العودة، فباب قلبي مفتوح لك كما عهدتني، لم ولن يفسد أيُّ اختلاف في الرأي للود قضية عندي، لا معك ولا مع غيرك.