بعد ذلك الاكتشاف، أصبحت الرغبة قوية في متابعة هذه اللغة الطازجة، الأليفة، وغير المسبوقة أيضاً، في التعامل مع القضايا التي تطرحها. فالأمور اليومية، الصغيرة والمألوفة، وكان الشعر التقليدي يأبى الاقتراب منها، احتلت مكاناً. وبدأ نزار يوسع ذلك المكان، وقد رأى كثيرون في تلك القضايا جدة واقتحاماً، مما جعلهم يعيدون كتشاف الأشياء حولهم. ومع اللغة الجديدة المبتكرة، ومن خلالها، تندلع الحرائق والمشاكل الخطرة. فالمرأة لم تعد غماماً أو موجة عطر فقط، أصبحت، وبالدرجة الأولى، مخلوقاً إنسانياً، وهذا المخلوق بمقدار ما يتميز به من جمال ورقة وحنان، وما هو عليه من متعة وبهاء، فإنه بحاجة إلى اعتراف ومشاركة، ومن هذه البوابة دخل نزار قباني، ودعا كثيرين، الجميع، إلى الدخول معه، من أجل إقامة صلة جديدة مع الكائن الإنساني.
أتذكر أن»حبلى» عندما نُشرت في أواسط الخمسينيات، لم تكن مجرد قصيدة تتحدث عن معاناة امرأة منحت نفسها لمَن تحب في لحظة رغبة أو ضعف، وما يمكن أن يتولد نتيجة هذه العلاقة من آثار يجب أن يتحمل مسؤوليتها الطرفان، بل كانت قولاً كاملاً حول القسوة وطبيعة العلاقات السائدة، وأيضاً استغلال الرجل، الذي لا يحمل، حين يتخلى، باعتبار أن (الفحولة) مفتاح السيطرة، وبالتالي فإن المجتمع هو للأقوياء، القادرين، أي للذكور.
هذه القصيدة، وفي الوطن الذي يزخر بالمحرمات والدم، خلقت هزة في الجو السياسي، لأنها كانت تحدياً لقيم سائدة، لأعراف عمرها مئات السنين، إذ قالت شيئاً مختلفاً.
كان يروق لستار الدوري، مثلاً، أن ينشد هذه القصيدة بطريقة مختلفة عن الآخرين، إذ لا يكتفي بأن يردد أبياتها، وإنما أن يجسد تلك الأبيات.
1997*
** كاتب وروائي سعودي «1933 – 2004»