وبعد نجاح الثورة الصناعية الرابعة، بدأ الحديث عن الجيل الخامس من الجودة، الذي يجمع بين الذكاء الاصطناعي والذكاء البشري لتحقيق جودة أكثر إنسانية واستدامة. فالجودة الخامسة هي تصور مستقبلي يركز على دمج القدرات البشرية مع التقنيات الذكية لإنشاء أنظمة جودة ذاتية التكيف، مستدامة وتعاونية. وهي لا تعتمد فقط على البيانات، بل تهتم أيضًا بالقيم الإنسانية والأخلاقية والممارسات المهنية الاحترافية، إضافة إلى جودة بيئة الأعمال وتجربة العملاء والمستخدمين.
تركز الثورة الصناعية الخامسة على التعاون بين الإنسان والآلة، والجودة الخامسة تتبنى هذا المفهوم من خلال تصميم أنظمة جودة تدعم الإبداع البشري والتفكير الحاسوبي بدلًا من الاستبدال أو الاعتماد المطلق على أحدهما. وهذا يمثل المحور الأول في الإطار النظري القائم على التمركز حول الإنسان أولًا.
أما المحور الثاني، وهو الاستدامة، فتسعى الثورة الصناعية الخامسة إلى تقليل الهدر وتحسين استخدام الموارد. وفي الجودة 5.0 تصبح الاستدامة جزءًا من معايير الجودة الأساسية، بعدما لم تكن ضمن أبعاد الجودة في الأجيال السابقة.
وفي المحور الثالث، وهو الأنظمة ذاتية التكيف، تعتمد الثورة الصناعية الخامسة (5IR) على أنظمة تتعلم وتتطور. وتستخدم الجودة 5.0 هذه الأنظمة لتحسين الجودة بشكل مستمر دون تدخل بشري مباشر، بل تتكامل مع تصميم الأنظمة بواسطة الإنسان.
أما المحور الرابع، وهو الذكاء التعاوني (CI)، فيؤكد أن الذكاء الاصطناعي في الجودة الخامسة لا يعمل بمفرده، بل يتعاون مع الإنسان لاتخاذ قرارات أكثر دقة ومرونة، وأكثر قدرة على الحفاظ على القيم والممارسات المهنية الإنسانية. وتتجه العديد من المنظمات نحو الذكاء التعاوني، إذ تساعد البيئة الداخلية للمنظمة -من خلال القدرات البشرية- على الازدهار بالتعاون مع الذكاء الاصطناعي ووكلائه. ورغم أن بعض المنظمات نشرت الذكاء الاصطناعي على مستويات متعددة، إلا أنها لا تزال تفتقر إلى مبادرات مخصصة للذكاء التعاوني الاصطناعي وإلى النضج التنظيمي في تبنيه.
ولتوضيح ذلك، يمكن النظر إلى حالة تاجر تجزئة يستخدم الذكاء الاصطناعي لإدارة عمليات المتجر بالكامل، من المخزون إلى خدمة العملاء، دون أي تدخل بشري. بينما يركز البشر على العمليات داخل المتجر والتواصل الشخصي، تُضاف حوكمة الذكاء التعاوني لتصميم وإنشاء واختبار ونشر ودمج ومراقبة وتحسين العمليات المستقلة المدفوعة بالذكاء التعاوني وتفاعل الإنسان مع التقنيات الذكية. وهذا ليس خيالًا؛ فالمنظمات المستقلة تستطيع الوصول إلى ما نسبته 80 % من قدرات التحليق فوق حاجز الأتمتة والذكاء الاصطناعي عبر وكلاء الذكاء التعاوني.
والفائزون في هذه الحقبة الجديدة هم أولئك الذين يدركون كيف يمكن للذكاء الاصطناعي والأتمتة أن يدفعاهم إلى الأمام بسرعة الإنسان. فالتقنية ليست موجودة لتبسيط أعمال المنظمة فحسب، بل لتعزيز أداء العاملين وعمليات التشغيل، وتمكين المنظمة من التفوق في المنافسة من خلال السرعة والجودة والمرونة، وتمكين العاملين بالمعرفة والأدوات اللازمة لتحديد مشكلات الجودة ومعالجتها. وتوسع الجودة 5.0 هذا المفهوم من خلال دمج مراقبة الجودة في العمليات بأكملها، وتيسير عملية صنع القرار التعاوني، وهو أحد المبادئ الأساسية للجودة 5.0.
كما تولي الجودة الخامسة أهمية كبيرة لمشاركة الموظفين وتمكينهم، إذ إن الموظفين المشاركين أكثر إنتاجية وابتكارًا والتزامًا. وتكلفة ذلك تتمثل في التدريب والتأهيل فقط، مما يتيح للموظفين فرصًا للتعلم والتطور، ويؤدي إلى تحسين المهارات والتقدم الوظيفي.
فعلى سبيل المثال، في قطاع الرعاية الصحية، يمكن لأنظمة الذكاء التعاوني الاصطناعي أن تعمل جنبًا إلى جنب مع الأطباء لتحليل بيانات المرضى واقتراح خطط علاجية، بينما يركز الطبيب على الجوانب الإنسانية مثل التواصل والرعاية. وفي قطاع التكنولوجيا المتقدمة، تستخدم الجودة 5.0 برامج تصميم متطورة لإنشاء نماذج أولية افتراضية للمكونات المعقدة، مما يسمح بإجراء اختبارات ومحاكاة دقيقة قبل بدء الإنتاج الفعلي. أما في قطاع الطاقة المتجددة، فتستفيد الجودة 5.0 من تقنيات إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي لجمع البيانات وتحليلها في الوقت الفعلي، والتنبؤ بالأعطال قبل حدوثها، مما يمنع التوقف المكلف عن العمل.
يمثل مفهوم الجودة 5.0 تقدمًا كبيرًا في مراقبة الجودة وضمانها، ويبشر بتحول شامل للعمليات في سياق الثورة الصناعية الخامسة. فهي خطوة متقدمة نحو جودة أكثر إنسانية واستدامة تتوافق مع مبادئ الثورة الصناعية الخامسة مع استمرار تطور التكنولوجيا، سيصبح التعاون بين الإنسان والآلة أساسًا لتحقيق جودة شاملة تلبي احتياجات المستقبل. ومن المتوقع أن يؤدي الانتقال من منهجية رد الفعل إلى منهجية استباقية إلى إنتاج أكثر كفاءة، وجودة أعلى، وتحسين رضا العملاء والمستخدمين. كما ينبغي النظر إلى التحديات الحالية المتعلقة بالجودة 5.0 على أنها فرص للبحث والابتكار لضمان تحقيق كامل إمكاناتها.