هذا الحضور المفرط للقيل والقال يطرح تساؤلًا بسيطًا: من أين يأتي كل هذا الوقت وهذه الطاقة التي تُصرف في متابعة حياة الغير؟
ليس من السهل تبرير هذا الانشغال، خاصة حين يقابله إهمالٌ لشأن النفس؛ فحياة الإنسان، في حقيقتها، مليئة بما يكفي من التعقيد والأسئلة والهموم التي تستحق أن تُفهم قبل الالتفات إلى غيرها.
والانشغال بالذات ليس انعزالًا، بل محاولة للفهم، وترتيب للأولويات، وسعيٌ للثبات في وجه ما يعتري الإنسان من تقلبات.
في المقابل، يختار البعض أن يوجّه اهتمامه إلى الداخل؛ إلى ما يثقل النفس من أفكار، وما يتراكم فيها من تساؤلات لا تجد جوابًا سريعًا.
وهذا الانشغال ليس رفاهية، بل ضرورة؛ لأن من لا يُحسن الإصغاء إلى نفسه، يصعب عليه أن يعي غيره على نحوٍ متوازن.
ليست الدعوة هنا إلى القطيعة مع الناس، وإنما إلى قدرٍ من الوعي يحدّ من التورط في ما لا يعني، ويعيد توجيه الانتباه إلى ما هو أولى.
فليس كل ما يُقال يستحق أن يُتبع، ولا كل ما يُعرف يلزم أن يُنقل.
إن حفظ المسافة عن شؤون الآخرين لا يقلّ أهمية عن حضورهم في حياتنا؛ فالتوازن بين الأمرين هو ما يحفظ للإنسان صفاءه، ويمنحه قدرةً أوضح على فهم ذاته ومحيطه.
ولعل أبسط ما يمكن التمسك به: أن ينشغل المرء بما يصلحه، ويترك ما لا يعنيه؛ فذلك أقرب إلى راحته، وأحفظ لوقته، وأصدق في علاقته بنفسه.
فقبل أن تُنصت لما يُقال عن الناس، اسأل نفسك: ماذا أهملتَ فيك وأنت مشغولٌ؟