رَحلت المرنيسي وهي في الخامسة والسبعين من عمرها، لكنّها تركت خلفها مدرسةً في القراءة النقديّة، ومَنهجًا في الحياة يَرفض الخنوع للتقاليد العمياء، ويَحتضن الحداثة من دون التفريط في الأُسس التاريخيّة.
ففي الذكرى الأولى لرحيلها، في العام 2016، تمّ التدشين الرسمي لكرسي فاطمة المرنيسي في مقرّ رئاسة جامعة محمّد الخامس في الرباط. لم يكُن الكرسي مجرّد مسمّى، بل صار فضاءً لتنظيم ندواتٍ دوليّة ناقَشتِ العلاقات بين الجنسَيْن، رهانات الديمقراطيّة ودَور الشباب في زمن العَوْلمة. وبذلك تحوَّل الكرسي المذكور إلى جسرٍ يَربط بين الأكاديميّين من جهة، والفنّانين والفاعلين المدنيّين والشباب من جهةٍ أخرى، تمامًا كما كانت كاتبتنا تفعل في ورشاتها الميدانيّة.
من أسوار «الحريم» إلى رحابة السوسيولوجيا
وُلدت فاطمة المرنيسي في قلب مدينة فاس في العام 1940، ونَشأت في وسطٍ تقليدي محكوم بأسوارٍ واقعيّة ورمزيّة وَصفتها لاحقًا في كتاباتها بـ «الحريم». غير أنّ هذه التقاليد التي طوَّقتها في طفولتها لم تَنجح في ترويض عقلها المتوقّد، إذ بفضل التعليم استطاعت التحرُّر والعبور إلى ضفّة المعرفة الكونيّة.
انطلقتْ رحلتُها الأكاديميّة من دراسة العلوم السياسيّة في جامعة السوربون في فرنسا، ثمّ انتقلت إلى جامعة «برانديز» في الولايات المتّحدة الأمريكية ، حيث نالت شهادة الدكتوراة في علم الاجتماع في العام 1973. هناك، وضعتْ أولى لبناتِ مشروعها الفكري من خلال أطروحتها الرائدة: «ما وراء الحجاب: الجنس كهندسة اجتماعيّة». كانت هذه الأطروحة بمثابة إعلان رسمي عن ولادة باحثة قادرة على استخدام أدوات علم الاجتماع الغربي لتفكيك البنيات الأبويّة في المجتمع العربي الإسلامي.
يرى الشاعر والرئيس السابق لجمعيّة كتّاب المغرب حسن نجمي، أنّه بعد عشر سنوات من رحيلها «يُمكننا أن نُدرك بشكلٍ أفضل مدى مركزيّة دورها». ويُشدّد نجمي على أنّ «استقلاليّتها» هي الميزة الجوهريّة التي جَعلت من المرنيسي رمزًا فكريًّا استثنائيًّا في المغرب.
لم تكُن استقلاليّة المرنيسي مجرّد شعار، بل كانت مُمارَسة يوميّة صلبة، إذ لم تَقبل جائزةً من الدولة قطّ، وظلّت مُحتفظة بمسافةٍ نقديّة تمنحها القدرة على قول الحقيقة. وخلال «سنوات الرصاص» القاسية في عهد المَلِك الحسن الثاني، أظهرت شجاعةً إنسانيّة وأكاديميّة نادرة، حيث كانت تدعو زملاءها المعزولين من مناصبهم الجامعيّة للمُشارَكة في المؤتمرات والورشات، متحدّيةً بذلك سياسات الإقصاء. لم تستهوِها الأموال الخارجيّة، ولم تُثبِط عزيمتَها الضغوطُ السياسيّة، بل ظلّت وفيّة لمبادئها حتّى في أحلك الظروف.
من أبرز تجليّات هذه الاستقلاليّة وصمودها أمام السلطة، معركة كتابها «الحريم السياسي..» (المُترجَم باسم «الحجاب والنّخبة الذكوريّة»). نُشر الكتاب في العام 1987، وتسبَّب في زلزالٍ فكريّ أدّى إلى حظْره في المغرب وفي العديد من الدول العربيّة لأكثر من عقدٍ من الزمان.
في هذا الكتاب، لم تكُن فاطمة المرنيسي تُهاجِم العقيدة الدّينيّة البتّة، بل كانت تفكِّك «النخبة الذكوريّة» التي احتكرت تفسير النصّ الدّيني لقرون. جادلت بأنّ التهميش الذي تُعاني منه المرأة ليس متأصّلًا في جوهر الرسالة النبويّة، بل هو نتيجة قراءات نفعيّة قامَ بها رجالُ السلطة والفقهاء لترسيخ سلطتهم السياسيّة والاجتماعيّة. هذا الحظْر كان قد دَفعها في مرحلةٍ سابقة لنشْرِ كتابها «المرأة في اللّاوعي الإسلامي» في فرنسا تحت اسمٍ مُستعار هو «فاطنة آيت الصباح» (1982)، لتُثبت أنّ الفكرَ الحرّ قادرٌ على التسلّل عَبْرَ الثغرات مهما أحكمت الجدران. كانت ممارستها الفكريّة صلبة، حرّة ومنسجمة مع قناعاتها العلميّة يوميّاً، فلم تَقبل أيّة إغراءات ولا أيّة «مساومات حجيّة» لتغيير موقفها.
كانت المرنيسي على وعيٍ نافذ بـ «الفخّ» الذي يَقع فيه المحلّلون لدى مناقشتهم قضايا المرأة المسلمة. كتبتْ منتقدةً السطحيّة والتسطيح في الطرح: «هل توجد حركة تحرُّر نسائي ناشئة كتلك التي تَظهر في الدول الغربيّة؟»، ثمّ تَستطرِد موضحةً أنّ هذا النَّوع من الأسئلة حَجَبَ لعقودٍ تحليلَ وضع المرأة المسلمة وشوَّهه.
هكذا، رَفضتِ المرنيسي أن تظلَّ المرأة المسلمة رهينةً لـ «مُقارناتٍ عبثيّة» واستنتاجاتٍ غَير مَبنيّة على أُسسٍ سليمة. واعتَبرت أنّ تقليد مُقارَنة المرأة المسلمة بالمرأة الغربيّة يَعكس نمطاً استعلائيًّا في الشرق والغرب في آنٍ معًا، حيث تتحوّل المسألة من تحليلٍ حقوقي وسوسيولوجي إلى صراعٍ حول «مَن هو أكثر تحضُّرًا ممَّن؟». بالنسبة إليها، التحرُّر هو سيرورة ثقافيّة داخليّة تَنبع من فهْمِ الذّات والتاريخ، لا من مجرّد مُحاكاة أنموذجٍ خارجيّ.
في جبال الأطلس وهوامش المُدن
لم تكُن استقلاليّة فاطمة المرنيسي لتَكتمل من دون انغماسها الكلّي في «ورشات الكتابة المُواطِنة»، حين نَقلتِ المختبرَ السوسيولوجي من أسوار جامعة محمّد الخامس إلى شعاب جبال الأطلس وهوامش المُدن. من خلال «قوافلها الثقافيّة»، حوَّلت الفئات المهمّشة من موضوعاتٍ للدراسة إلى ذواتٍ فاعلة ومتفاعلة تكتب بيدَيْها آفاقَ رؤيتها وأمداء تاريخها.
آمنتِ المرنيسي بضرورة «إعطاء الكلمة لمَن لا صوت لهم»، فعلّمت النساء النسَّاجات في مناطق جبال الأطلس أنّ وراء كلّ خَيطٍ في السجّاد «حكاية مواطنة» يجب أن تُحكى وتُوثَّق. كانت هذه الورشات هي الردّ العمليّ لها على «الحريم الرمزيّ»، فبالكتابة والتدوين، مَنحتِ المُهمَّشين مفتاحَ الخروج إلى الفضاء العامّ، محوِّلةً الفعل الأكاديميّ إلى فعلٍ نضاليّ يوميّ يُعيد بناء المُجتمع من الأسفل إلى الأعلى.
بَعد رحيلها، لم يَنقطع أثرُها الدّالّ والعميق بفضل جهود مثقّفين آمنوا برسالتها، وعلى رأسهم الكاتب والمسرحي إدريس كسيكس، أحد مؤسّسي ومنسّقي «كرسي فاطمة المرنيسي»، الذي ظلّ حريصًا على عدم تحويل المرنيسي إلى أيقونةٍ جامدة، بل كان يدعو إلى أن نَجعل منها مصدرًا للإلهام المُستمرّ.
يُسلِّط كسيكس الضوءَ على «أسلوب حياة» المرنيسي كباحثة ميدانيّة رَفضتِ العزلةَ الأكاديميّة، مُستلهِمًا روحها في تفتيت الصمت ومُساءَلة الذاكرة من خلال أعماله الإبداعيّة.
من جانبها، تُقدِّم د. أسماء بنعدادة قراءةً أكاديميّة رصينة لمنهجيّة المرنيسي، مُشيرةً إلى أنّها زاوَجت بين المنهج التاريخي التحليلي والمنهج الميداني السوسيولوجي. تؤكّد بنعدادة أنّ المرنيسي علّمتنا أنّ المشكلات اليوميّة للمرأة لا يُمكن فهْمها بمعزلٍ عن الخلفيّات الثقافيّة والدّينيّة التي ترسّخت فيها «الأبويّة وخيالاتها».
من المُثير للدهشة أنّ فاطمة المرنيسي، في سنواتها الأخيرة، انفتَحت على «الثورة الرقميّة»، وكانت تؤمن بأنّ الإنترنت سيقلب موازين القوى في العالَم العربي. اشتغلت في مشروعها الأخير على كيفيّة تأثير الفضاء الرقمي في كسْر احتكار النُّخب للخطاب الدّيني والإعلامي.
وبحسب أسماء بنعدادة، فإنّ هذا المشروع الذي لم يَكتمل بسبب الوفاة، كان يَطمح إلى رصْد دَور الشباب في العوْلمة الرقميّة كأداةٍ للتحرُّر الشعبي بعيداً من الرقابة التقليديّة.
شهرزاد أخرى
بَعد عشر سنوات على رحيلها، وفي ظلّ التحدّيات التي يُواجهها العالَم المُعاصِر من صعودٍ للتيّارات المُحافظة وتحوّلات العوْلمة، تبدو أفكار فاطمة المرنيسي أكثر راهنيّة من أيّ وقتٍ مضى. علّمتنا أنّ «الحريم» ليس مكاناً جغرافيًّا، بل هو حالة عقليّة، هو الخوف من الاختلاف، والخوف من التفكير، والخوف من الحريّة.
فاطمة المرنيسي، بجرأتها وشجاعتها الفكريّة تظلّ حيّة بيننا. إنّها شهرزاد التي لم تَحكِ الحكايات لتنجو من الموت ليلة واحدة، بل حَكتْ وفكَّكتْ وحلَّلتْ لكي تَمنح أجيالاً من النساء والرجال في دنيانا العربيّة حقَّ النجاة من دياجير الجهل والاستبداد.
في ذكرى رحيلها العاشرة، نُدرك أنّ استقلاليَّتها وصمودَها كانا البوصلة التي لم تَحِد أبدًا عن الطريق نحو فجر الكرامة.
*كاتب من المغرب
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.