ومع الزمن، أصبحت هذه النفس منقادة طوعًا لعواطف لا قيمة حقيقية لها في ميزان الحياة، حتى باتت الشكوى والتشكي أسلوبًا دائمًا، لا ردّة فعل عابرة.. شكاوى لا تنبع من عفوية، بل من لسان تمرّس على الاعتراض، حتى بعد التوغّل في مراحل العلم، والذي -للأسف- لم يُثمر لدى البعض وعيًا ولا تهذيبًا للسلوك.
ولم يعد مستغربًا أن ترى أكاديميين، وأساتذة، ومثقفين، وأصحاب شهادات، ممن نالوا مكانة اجتماعية معتبرة، وهم ينحدرون أحيانًا إلى أحاديث لا تحتاج أكثر من قدر بسيط من احترام العقل والذات للوقوف عند حدّها، وكأن المعرفة لم تمنحهم تلك المسافة الأخلاقية التي تجعل الإنسان شاهدًا على نفسه قبل أن يكون ناقدًا للآخرين.
لقد صار الصمت موقفًا شائعًا؛ صمتٌ قد يكون جهلًا، وقد يكون ضعفًا، وقد يكون هروبًا من قول كلمة حق، أو من إعلان قيمة الذات بوصفها مسؤولية إنسانية لها وزن في كل زمان ومكان.
وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: لماذا لم نعد نعاتب أحدًا، مهما علت مكانته أو تعاظمت قيمته الاجتماعية؟
هل لأن العتاب صار عبئًا؟، أم لأن المجاملة غلبت الصدق؟، أم لأننا اعتدنا التنازل عن دور الضمير، خشية الاصطدام، أو تعبًا من الإصلاح؟، فالعتب ليس خصومة، بل فعل وعي، وليس قسوة، بل محاولة إنقاذ.
وحين يغيب العتاب، يغيب معه الشعور بالمسؤولية، وتترسخ الرداءة بوصفها أمرًا طبيعيًا.