عاش الأرمن في ظل الدولة العثمانية ما يقارب ستة قرون، قبل لحظة الانفجار كمكوّن اجتماعي وديني معترف به، ضمن نظام «الملل» الذي منح الطوائف غير المسلمة قدرًا واسعًا من الاستقلال الديني والإداري. لم يكن الأرمن غرباء عن الدولة، بل شغلوا مواقع مؤثرة في الاقتصاد والتجارة والحِرف، وبرز منهم وزراء وأطباء وصنّاع قرار، وكانوا يُعرفون في الأدبيات العثمانية بالملة الصادقة.
هذا الواقع التاريخي يفنّد السرديات المبسّطة التي تختزل العلاقة بين الطرفين في صراع دائم، ويؤكد أن الأزمة لم تكن حتمية، بل جاءت نتيجة تحولات سياسية كبرى شهدها القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، مع تراجع الدولة العثمانية، وصعود القوميات، ودخول القوى الاستعمارية الأوروبية لاعبًا مباشرًا في شؤون «الرجل المريض».
مع تمدد النفوذ البريطاني والفرنسي والروسي، تحولت الأقليات في الدولة العثمانية إلى أدوات ضغط سياسية. رُفعت شعارات «حماية الأقليات» و«حق تقرير المصير»، لكنها لم تكن بريئة أو إنسانية بقدر ما كانت جزءًا من مشروع تفكيك الدولة العثمانية وإعادة رسم خريطة المنطقة.
في هذا السياق، جرى تحريض قطاعات من النخب الأرمنية على التمرد، وتسويق فكرة «أرمينيا الكبرى» التي تمتد من شرق الأناضول إلى القوقاز. وترافق ذلك مع دعم عسكري وسياسي من روسيا القيصرية، التي رأت في الأرمن حليفًا طبيعيًا في حربها الطويلة مع العثمانيين، ووسيلة لاختراق العمق العثماني من الداخل.
لم تمر هذه التحولات دون كلفة. فقد أدّت عمليات التمرد المسلح، والتعاون مع الجيوش الأجنبية، إلى صدامات دامية بين الأرمن وجيرانهم من المسلمين، خصوصًا في مناطق شرق الأناضول. ومع اشتداد الحرب العالمية الأولى، وانهيار التوازنات الداخلية، دخلت العلاقة مرحلة مأساوية، سقط فيها ضحايا من جميع الأطراف، راح ضحيتها حوالي 519000 مسلم من الأكراد والأتراك والعرب وتحوّلت القضية الأرمنية إلى واحدة من أكثر الملفات التاريخية حساسية وتعقيدًا.
لكن النتيجة الأهم، والتي كثيرًا ما يتم تجاهلها، أن الوعود الغربية لم تتحقق. فلم تقم «أرمينيا الكبرى»، ولم يحصل الأرمن على الدولة التي رُسمت لهم في الخرائط السياسية الأوروبية، بل انتهوا إلى كيان محدود جغرافيًا، محاصر سياسيًا، (جورجيا – إيران – أذربيجان – تركيا)، فيما خسروا وجودهم التاريخي الواسع في الأناضول، ودفعوا ثمن الرهان على الخارج بدل التفاهم داخل الدولة التي عاشوا في كنفها قرونًا.
فما يقوله لنا التاريخ إن استحضار التجربة الأرمنية اليوم لا ينبغي أن يكون بهدف الإدانة أو إعادة إنتاج صراعات الماضي، بل لفهم آلية الاستغلال السياسي للأقليات، وكيف تتحول المطالب المحقة إلى أدوات في مشاريع دولية لا تعبأ بمصير الشعوب.
وهنا يفرض الواقع السوري نفسه بقوة. فالمواطنون الأكراد في سوريا كانوا، عبر تاريخ الدولة السورية الحديثة، جزءًا طبيعيًا من المجتمع، شغلوا مناصب قيادية رفيعة من رئاسة الجمهورية كما في عهد حسني الزعيم مرورا بالمؤسسة العسكرية والإدارية، وصولا إلى أبسط مؤسسات الدولة، دون أن ينظر إليهم كطائفة أو كيان منفصل، هذا الانسجام الوطني لم يعرف تصدعا حقيقيا إلا مع الحقبة الأسدية التي اعتمدت سياسة تأجيج الهويات الفرعية، واستخدمت الورقة الطائفية والعرقية كأداة للسيطرة وإدامة الحكم.
اليوم، ومع بروز قوى مسلحة مثل «قسد»، وارتباطها الوثيق بأجندات خارجية، يعود سؤال التاريخ ليطرح نفسه: هل تتعلم بعض القوى من التجربة الأرمنية؟ أم أنها تعيد إنتاج المسار ذاته، بالاعتماد على حماية خارجية مؤقتة، ومشاريع سياسية مفصولة عن عمقها الوطني؟
التاريخ يقول بوضوح إن القوى الكبرى لا تبني أوطانًا للآخرين، بل تستخدمهم مرحليًا ثم تتركهم لمصيرهم. كما أن تفكيك الدول لا ينتج كيانات مستقرة، بل يفتح أبواب صراعات طويلة، يدفع ثمنها الجميع، وفي مقدمتهم أبناء المكوّن الذي جرى توظيفه.
الدرس الأهم من التجربة الأرمنية هو أن الدولة الوطنية الجامعة، القائمة على المواطنة المتساوية، هي الإطار الوحيد القادر على حماية التنوع، وصون الحقوق، ومنع التدخلات الخارجية. أما المشاريع القائمة على السلاح، أو الاحتماء بالخارج، أو استدعاء التاريخ بشكل انتقائي، فهي غالبًا ما تقود إلى نهايات مأساوية.
لقد أثبتت تجارب المنطقة، قديمها وحديثها، أن الأقليات تكون أكثر أمانًا وقوة داخل دول مستقرة وعادلة، لا في ظل كيانات هشة ومرتهنة. وهذا ما يجعل قراءة التاريخ ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة سياسية وأخلاقية، حتى لا تتحول المآسي القديمة إلى نسخ جديدة بأسماء مختلفة.