في الأيام القليلة الماضية نظمت هيئة تطوير منطقة عسير ورشة ترميم قرية وطن آل خلف التراثية ضمن جهود الهيئة للحفاظ على التراث العمراني بالمنطقة. وفي سياق الوطن كمفهوم فطري لدى الإنسان فإن مسمى القرية (أي قرية) هو بحد ذاته ملفت للانتباه. قلة من القرى والبلدات والمدن تسمى بالوطن. إن تسمية القرية بالوطن مقياس لقيمة القرية ومدى الارتباط العاطفي والوجداني بها. قد يكون مفهوم الوطن سهلاً تصوره في سياق الدولة الحديثة، لكن ارتقاء القرية في مجتمعات ما قبل الدولة لتصبح وطناً يجعل من هذه القرى حالات استثنائية. هنا تصبح القرية وطناً. هنا يختزل الوطن في قرية بكل حمولة المفهوم على كل المستويات.
في وطن آل خلف انعكس هذا المفهوم في شكل القرية العمراني. القرية عبارة عن تجاور طولي شبه متلاصق على مرتفع بسيط من الأرض لعدد من الأبراج (الحصون السكنية) والقصبات (لخزن الحبوب والدفاع عند الحاجة) على مسافات متقاربة بممرات سفلية تؤدي إلى ساحات. هذا التكوين تحيط به المزارع من الجهات الأربع. القرية بهذا الوصف هي تجمع- ربما كان الأكبر عدداً– لهذا النوع العمودي من الأبراج في منطقة عسير، الذي يفصح عن نفسه فور الوصول للقرية، عكس معظم القرى التراثية بمنطقة عسير التي ترى من مسافات بعيدة أو تتربع على رؤوس الجبال. هذا التكوين العمراني لا يفصح عن نفسه من بعيد بل يبقى متخفياً بهيئته إلى أن يكتشفه المرء أمامه فور وصوله للقرية. هكذا تفصح القرية بكثافة أبراجها المشرئبة بأبراجها نحو السماء عن نفسها فجأة أمام زائرها. أستذكر هنا تشبيه أحد أساتذة العمارة عندما رأى صورة بانورامية للقرية في أواسط الثمانينيات الميلادية بـ«مانهاتن الصغيرة» والتشبيه يغني عن أي تعليق. ونظراً لتكوينها المعماري المتميز هذا فقد حظيت بالاهتمام من قبل عدد كبير من الدارسين والباحثين والأكاديميين.
وقياساً على التجارب السابقة في الحفاظ على القرى التراثية عموما، ورغم الاهتمام الذي توليه الهيئة للقرية فإن الحالة العمرانية للقرية لا تتناسب البتة مع تكوينها العمراني، ولا مع حجم ما نشر عنها من دراسات، ولا مع مفهوم الوطن ذاته. أن ما تحتاجه القرية أكثر من ذلك بكثير.
تتعدد الأسباب التي أدت إلى إهمال القرية وليس هنا مجال التفصيل فيها، غير أن هذه الأسباب ذاتها موجودة في كل القرى التراثية في المملكة. انظر إلى أشيقر في منطقة الرياض، أو قرية ذي عين في منطقة الباحة، ورجال ألمع وآل ينفع والمسقي بمنطقة عسير وغيرها الكثير، لترى كيف أن هذه العوائق قد تم التغلب عليها تماماً، وأصبحت هذه القرى وجهات سياحية يشار إليها بالبنان للسياح وللدبلوماسيين أيضاً.
وإذا ما تم النظر إلى الموقع الجغرافي للقرية وقربها من جبل مشرف بتكوينه الجيولوجي الفريد وجبل فرواع (الأعلى في المملكة) وكلاهما على مرمى حجر منها، وصولاً إلى قرية الحوزة التراثية الأخرى، لأدركنا مدى الأهيمة الحاسمة للقرية كنقطة جذب على الطريق السياحي بين مهد السياحة في مدينة أبها وضواحيها وشرق المنطقة وصولاً إلى ظهران الجنوب.
وفوق ذلك كله فإن آل خلف تتميز عن هذه النماذج الناجحة على مستوى الوطن بميزة تجعل منها أولوية في سلم أولويات الجهات المعنية.
«حزام» ومن لم يسمع بحزام، تلك الرواية التي وضعت القرية على خارطة الرواية في الأدب السعودي الحديث. أن البون لشاسع بين قرية شرقت وغربت في آفاق الرواية والمخيال الأدبي في أبلغ صوره، بشتى اللغات، بفضل عبقرية أحد أبنائها، وبين الواقع الراهن للقرية. فهل يعي «صبيان يعلى» أهمية قريتهم في خارطة التراث العمراني على مستوى المملكة والعالم، في وقت تشهد كثير من القرى احتفالات يوم تأسيس الوطن؟
هذا المقال مهدى لروح ابن القرية البار الروائي أحمد أبودهمان في يوم وطنه.