أكبر أزمة يواجهها الكادر المحلي في الرياضة السعودية ليست ضعف الخبرة، بل فقدان الثقة المنظومية.
حين يشعر المدرب أو المختص أن المؤسسة التي يعمل فيها تشكك به مسبقًا، وتراه خيارًا ثانويًا مقارنة بالأجنبي، فإن ذلك ينعكس مباشرة على أدائه، وعلى إحساسه بذاته المهنية. الكفاءة لا تزدهر في بيئة الشك، بل في بيئة الاعتراف.
كثير من المنظمات الرياضية ما زالت تتعامل مع الكادر المحلي بعقلية «البديل الآمن»، لا «الخيار الإستراتيجي». يُوظف المدرب السعودي، لكن يُوضع في دور مساعد. يُعطى المسمّى، لكن تُسحب منه الصلاحية. يُطلب منه الإنجاز، دون أن يُمنح القرار. وهكذا يصبح وجوده شكليًا، لا حقيقيًا، ويُحرم من أهم عنصر للتطور المهني: تحمل المسؤولية الكاملة.
المدرب لا يتطور لأنه حضر دورات فقط، بل لأنه مارس، أخطأ، تعلّم، وصحّح. وحين يُمنع الكادر المحلي من الوقوع في الخطأ المهني المحسوب، يُمنع تلقائيًا من النضج. المنظومات التي لا تسمح لكوادرها بالتجربة، لا تصنع محترفين، بل تصنع منفذين خائفين من المبادرة.
المفارقة أن كثيرًا من هذه المنظمات ترفع شعار «توطين الرياضة»، لكنها في العمق ما زالت ترى الأجنبي أكثر ثقة، وأكثر جدارة، وأكثر قدرة على القيادة. هذه القناعة، سواء كانت معلنة أو غير معلنة، تُرسل رسالة سلبية للكادر المحلي: أنت موجود… لكنك لست الأساس. وهذه الرسالة كفيلة وحدها بتدمير أي مشروع تمكين حقيقي.
ومن أكثر النقاط إشكالية في هذا السياق، اشتراط اللغة الإنجليزية كشرط أساسي لتمكين الكادر المحلي. السؤال هنا ليس ضد تعلم اللغة، بل عن منطق استخدامها كأداة إقصاء. لماذا تُفرض لغة أجنبية كشرط للثقة في بيئة محلية، جمهورها ولاعبوها ورياضيوها يتحدثون العربية؟ ولماذا يُربط الاحتراف دائمًا بالقدرة على التواصل بلغة أخرى، لا بالقدرة على القيادة، والفهم، والتأثير؟
اللغة أداة، وليست معيار كفاءة مطلق. وحين تتحول إلى حاجز، فإنها تفقد وظيفتها وتتحول إلى رسالة مبطّنة بعدم الإيمان بالكادر المحلي. المدرب الذي لا يتقن الإنجليزية لا يعني أنه لا يفهم الرياضة، ولا يعني أنه غير قادر على بناء لاعب، أو قيادة فريق، أو إدارة موقف ضاغط داخل الملعب. لماذا لا يتم وضع برنامج تعليم اللغة الأجنبية ضمن مميزات التوظيف وتنتهي المشكلة حتى لا تكون عائقا في تمكين الكادر المحلي في الرياضة.
التمكين الحقيقي يبدأ حين تُبنى المنظومة على سؤال واحد: كيف نُخرج أفضل ما في المدرب السعودي؟ لا كيف نُثبت أنه أقل من غيره.
نحن بحاجة إلى سياسات توظيف تؤمن بالكادر المحلي إيمانًا كاملًا، لا مشروطًا. بحاجة إلى أدوار قيادية حقيقية، لا مسميات بلا سلطة. بحاجة إلى مساحات آمنة للتجربة والخطأ، لا بيئات تعاقب على المحاولة. وبحاجة إلى تطوير مهني مبني على الاحتياج الفعلي، لا على المقارنة الدائمة مع الخارج.
المدرب السعودي لا يطلب معاملة خاصة، بل فرصة عادلة. فرصة ليقود، ليخطئ، ليتعلم، وليثبت نفسه داخل منظومة تؤمن به. وحين تتغير المنظومة، سيتغير الأداء تلقائيًا.
تمكين الكادر المحلي ليس قرارًا إداريًا، بل ثقافة. وحين نغيّر الثقافة، سنكتشف أن المشكلة لم تكن في المدرب، بل في البيئة التي لم تمنحه حقه الكامل في أن يكون محترفًا.
نحتاج سياسات توظيف تؤمن بالكادر المحلي، وأدوار قيادية حقيقية، لا مسميات بلا سلطة، وتطوير مهني مبني على الاحتياج الفعلي، لا على المقارنة الدائمة مع الخارج.