وهو حديث يهز القلوب ويوقظ الضمائر لأنه يكشف حقيقة قد يغفل عنها كثير من الناس، وهي أن الحكم في الظاهر لا يغير حقيقة الأمر عند الله تعالى.
يبين الحديث النبوي الشريف أن القاضي إنما يحكم بحسب ما يسمع من حجج وبراهين، وأن بعض الناس قد يكون أفصح وأقدر على عرض قضيته فيغلب غيره ببلاغته ودهائه، لا بعدالة موقفه ولا بصدق دعواه، وهنا تظهر خطورة التلاعب بالأدلة والأسانيد وتحريف الشهادات، فإن من يفعل ذلك قد يحصل على حكم لصالحه في الدنيا، لكنه في الحقيقة يحمل وزرًا عظيمًا ويأخذ قطعة من النار كما وصف النبي ﷺ.
التلاعب بالأدلة والأسانيد والتحريف في الشهادات واستعراض البلاغة والدهاء في الباطل ليست مهارة يُحمد عليها صاحبها، بل هي تجاوزات شرعية وأخلاقية تهدد المجتمع، لأن العدل أساس الاستقرار، وبالتظليل على العدالة تضيع الحقوق وينتشر الظلم، ويسود الحقد، وتتفكك الروابط بين الناس.
فالواجب على كل مسلم أن يتقي الله في خصومته، وأن يعلم أن الفوز الحقيقي ليس بكسب القضية في المحكمة، بل بالنجاة يوم القيامة، وأن يتذكر أن حكم الدنيا لا يغني عن حكم الآخرة شيئًا، وأن ما يأخذه بغير حق سيحاسب عليه، ولو كان معه صك قضائي أو وثيقة رسمية، فإن العبرة عند الله بالحقائق لا بالمظاهر، وبالصدق لا بالدهاء.
فلنحذر من وعيد النبي ﷺ، ولنطهر ألسنتنا من الكذب، وأيدينا من الظلم، وقلوبنا من الطمع، ولنقف عند حدود الله في خصوماتنا ومعاملاتنا، فإن العدالة أمانة عظيمة، ومن خانها فقد عرض نفسه لسخط الله وعذابه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.