الأولى، أن هؤلاء قوم يعلمون أي يتقنون العلم بما كرسوا قلوبهم وحياتهم للدراسة، وبما هذبوا عقولهم ووسعوا آفاقهم. فإنما الأدب تخصص وتفرغ لطلب العلم وليس بأديب من كانت خلاصات ومختصرات من الجرائد والمجلات هي حصيلة علمه.
والصفة الثانية أن هؤلاء قوم يعملون بما يعلمون. فلا نفع في عالم يعلم الناس المبادئ والقيم ثم لا يعمل بها هو نفسه ولا يكون مثالا مجسدا لها. قال تعالى في كتابه الكريم «أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم، وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون؟».
والصفة الثالثة أنهم يملكون الاستقلال الفكري الكامل عن التيارات التي تجرف المجتمع فلا ينقادون لها كما ينقاد العوام وإنما يستشرفونها من أعلى ويحكمون عليها، وبذلك يوجهون المجتمع. فأما العامة فإن ما هو شائع عندهم لا جدال فيه ولا يجرؤون على مخالفته.
وأما الخواص فيسألون أنفسهم عن أسباب الظواهر الاجتماعية ويرفضون منها ما خالف العقل والمصلحة الإنسانية.
والصفة الرابعة أنهم يزدرون الشهرة والمناصب كل الازدراء وإنما يعيشون للعلم والعمل، يقولون ما يعتقدون به وإن جاءهم بالاستنكار، ويستطيعون أن يجابهوا الجمهور بما يكره، كما يعطي الطبيب البارع جرعة دواء مشفٍ مرة لمريض. وعلى هذا الأساس يكون الأديب كالجندي في المعركة لا يبالي أن يقتل في سبيل الحق.
أما الأديب الذي يداهن الجمهور مداهنة رخيصة ليكسب الثناء والشهرة من أقرب السبل فهو خائن لرسالته. وإنما يعمل الأديب بالحديث النبوي: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان».
والصفة الخامسة أن طائفة الخواص هذه يملك أفرادها ذهنا مشعا له ومضات وسبحات ورؤى، تراهم يتميزون بنوع من البصيرة المضيئة التي تنير لهم المستقبل فيرونه. إنهم يمتلكون حدسا، روحيا ولهم نوامس عقلية يدركون بها ما سيقع قبل وقوعه، وقد يحذرون قومهم مما سيأتي ويرفعون أصواتهم بالنهي والتنبيه. ومعنى ذلك أن الأديب، كرجل الدين، ورجل العلم والمصلح.
والأدب بالمعنى الحق إحساس عميق بما هو كائن وبما سيكون، يأتي من تهذيب النفس ودحر شهواتها الدنيا، ويأتي من الدراسة والعمل، والاطلاع على أحوال الأمم وأحداث التاريخ وملاحظة المجتمع.
ولسنا ننسى أن الأديب، بدءا، يملك موهبة اللغة وتوقد العاطفة وشعلة الذهن المفكر. فكل هذه المزايا والمكتسبات ترفع الأديب إلى مرتبة الموهوب الذي يوجه ويقود ويؤثر في سير التاريخ.
هذه الصفات الخمس شروط وجودها لدى كل أديب يطمح إلى أن يكون له دور في بناء المجتمع. وقد يكون من نافلة القول أن نشير إلى أن أغلب أدبائنا المعاصرين لا يحققون هذه الملامح، ولذلك لا نرى لهم تأثيرا فعليا في توجيه المجتمع العربي. وما زال الأدب عندنا مسربلا بأسماله الجمالية والبلاغية المحضة. فقد بقي أغلب أدبائنا منقادين للتيارات الشائعة في المجتمع يمثلونها ولا يرتفعون فوقها.
وإنما الصفة العليا للأديب أن ينفصل بذهنه عن كل ما هو شائع في المجتمع من ظواهر، فإذا استقل عنها استطاع تشخيصها وتبين أسبابها، وجاء بأمثلة لها من الحياة وناقشها مناقشة علمية لا تعصب فيها ولا غضب، وإنما موقف الأديب في هذه الحالة هدوء مدرك وهيبة وعمق. كما ينتقد الإنسان الخاشع نفسه ويلتمس عيوبه ليصلحها ويرتفع فوقها.
إن الأديب بهذا المعنى هو الذي يصوغ القيم والأفكار والمبادئ التي تبني المجتمع تاركا لرجل الدولة مهمة التطبيق. وليس يخفى ما لهذا الدور من قيمة في بناء المجتمعات.. فإنما الكيان الاجتماعي فكر في حالة تنفيذ. ولا يكتفي الأديب ببناء المجتمع وإنما يبقى جرس الخطر الذي ينذر بما في الأسس من تخلخل وتصدع. وما يقوله مثل هذا الأديب يتحول إلى عمل. لأن الحقيقة تشع والحكمة تتلألأ وتنفذ إلى العقول والقلوب مهما بنيت في وجهها السدود. وكلمة الحق لا بد أن تجلجل عاجلا أو آجلا.
1961*
* شاعرة وكاتبة عراقية «1923-2007»