الصفة الأولى، يجسّدها بيتُ شعر شهير يُنسب للمتنبي ولا أظنه له، والأقرب –ولستُ متأكدًا- أنه للأديب والمؤرخ المصري القباطي، عبدالله جرجس -رحمه الله، الذي يُعرف بـ«الشيخ المكين» وهو: مَلأى السنابل تنحني بتواضعٍ.. والفارغاتُ رؤوسهنّ شوامخُ.
والصفة الثانية، تظهر بوضوح في قول ابن خلدون: «العداوة إنما تنشأ من شعور خفي بالنقص، فالقوي ليس عدوًا لأحد»، وبتأمل الصفتين وربطهما ببعضهما ظهر لي جليًا وجود تلازم بينهما، فكل «مثقف» -أو شبه مثقف، أو محسوب على المثقفين- يعادي المختلفين معه في الآراء والقناعات، ويحوّل الاختلاف في وجهات النظر إلى خلافات شخصية، ويشنُّ الحروبَ ضدّ من يختلفون معه، هو بالضرورة فارغ من الداخل، مهما زعم أو أظهر أو مثّل على الناس أنّه يمتلك قدرًا وفيرًا من المعرفة والحكمة والاستنارة والنضج.. إلخ.
فهو من جهة كالسنبلة الفارغة التي يرتفع رأسها دائمًا، وهو من جهة ثانية يعادي لأنه يدرك نقصه ويشعر به.. والعكس صحيح، فالمثقف الحقيقيّ القوي معرفيًا وعقليًا وسلوكيًا، تجده -في كثير من الأحيان- متواضعًا كالسنبلة الممتلئة من جهة، فهو يسمع للجميع، ويحترم حق الجميع في الاختلاف والتعبير. وهو من جهة أخرى قليل أو معدوم العداوات المتعلقة بالقناعات تحديدًا.
لسان حال المثقف الحقيقي دائمًا، هو: «اختلاف لا خلاف»، أو «اختلاف وجهات النظر لا يفسد للود قضية» وما شابه ذلك، أمّا العداوة والكراهية والبغضاء ومرادفاتها، فإنّها تنبع من نقصٍ ذاتي قد يكون خفيًا في كثير من الأحيان، وشعورٍ بالضعف أمام المختلَف معه، فالمثقف القويُّ الواثق من نفسه لا يحتاج العداوة عند الاختلاف في الرأي، فالعداوة الثقافية -وفق الشرح الوارد في هذه المقالة- ليست في نظري إلاّ صرخة ضعف لا تخرج غالبًا إلا من أعماق عاجز أو مفلس.. قلتُ سابقًا في تويتر بصياغات متعددة، وأكرّر المعنى هنا اليوم بهذه الصياغة الجديدة: «أيها المتعصبون لآرائهم والمتشدّدون في قناعاتهم؛ يا من تحوّلون الاختلاف في الآراء ووجهات النظر إلى خلافات شخصية وعداوات وبغضاء: اعلموا أنّ الاختلاف في القناعات هو طبيعة البشر في هذه الحياة، إننا نحثكم على التفكير في ذلك بوعي.. ندعوكم إلى الإيمان به».
أيها الفارغون من الداخل، يا من ترفعون رؤوسكم غرورًا وتعاليًا على من يختلف معكم، كما ترفع السنابل الفارغة رؤوسها: حاولوا أن تتواضعوا، فلكل رأي مبرراته، ولكل قناعة حججها وبراهينها التي أقنعت متبنيها، وليس شرطًا أن تقنعكم.
لا أحد يملك اليقين الكامل المطلق أبدًا، ولا يوجد رأي صحيح يتفق الجميع على صحته بنسبة 100%، فما تراه صوابًا قد يراه غيرك خاطئًا، وما تراه جميلاً قد يراه غيرك قبيحًا، وما تراه نافعًا قد يراه غيرك ضارًا، وما تراه حسنًا قد يراه غيرك سيئًا.
فلنحترم أشخاص بعضنا مهما اختلفنا في المواقف الفكرية والقناعات والآراء ووجهات النظر.. هذا ما لديّ في هذا الموضوع، والباب مفتوح لكل من أراد التعليق أو الاعتراض أو مناقشتي.