كل الأحلام الجميلة مشروعة، لكن حتى يتحول الحلم إلى واقع، يجب أن تكون الرؤية واضحةً والعمل منظّماً والأداء فعّالاً، وهذا يتحقق عبر رؤية وطنية جامعة، يشترك في إعدادها خبراء من جميع الجهات والتخصصات، وتحدد أين تقف سوريا اليوم، وإلى أين يجب أن تصل، وكيف تحقق ذلك.
تواجه سوريا الجديدة تحديات جمّة نتيجة سياسة الأرض المحروقة التي انتهجها النظام البائد مسبباً كوارث ومآسي لكل عائلة وخراباً في كل زاوية على مدار الأعوام الخمسة عشر الماضية.
وتمتد جذور التحديات إلى الحكم الاستبدادي للأسد الأب منذ سبعينيات القرن الماضي، فتبدو سوريا خارجة من كهف قادمة من زمن بعيد وتحتاج كل شيء، مئات آلاف البيوت والمدارس والمشافي والمساجد مدمرة، والبنية التحتية متهالكة، والأهم من هذا أن مئات آلاف السوريين لا يزالون في الخيام والبيوت المتهالكة، ونحو 90 % من الشعب تحت خط الفقر وغالبيتهم يعتمدون على التحويلات التي تصل من بلاد اللجوء، يضاف إلى ذلك أن النظام المالي عفا عليه الزمن، والرقمنة ضعيفة، والخدمات سيئة، والاستثمارات الداخلية والخارجية مشلولة.
أمام هذه التحديات، تعمل الجهات الحكومية السورية حالياً على إعداد خطط للمرحلة المقبلة، كما بادرت منظمات وجهات غير حكومية بتصورات للمستقبل، وهذا مبشّر، لكن من المهم ألّا نكرر الأخطاء التي كان يقع فيها النظام البائد حين كان يعد خططاً خمسيةً إسعافية للأوضاع المتردية في تلك المرحلة من دون أفق إستراتيجي يقود إلى التنمية المتوازنة والمتواصلة.
ولعل كل التصورات عن مستقبل سوريا توضع على طاولة الرئاسة لتطلق مبادرة وطنية شاملة للنقاش والعصف الذهني من الخبراء السوريين، تقود إلى رؤية واضحة للأعوام الخمسة والعشرين المقبلة، تؤطر السياسة العامة للبلد داخلياً وخارجياً، وتضع المواطن في صلب الاهتمام والعناية، وتؤسس لركائز التنمية المستدامة، وتحدد التشريعات والأنظمة التي تضمن بيئة استثمارية منافسة.
وما يبشّر في هذا المجال، أن سوريا تزخر بعدد كبير من المتخصصين في جميع المجالات الذين جابوا العالم وتزودوا بشهادات علمية مرموقة وخبرات عالية تؤهلهم للإسهام بفاعلية في وضع الرؤية السورية، وشهدنا خلال الأشهر الماضية مبادرات شبابية متميزة لمساعدة الحكومة خصوصاً في المجالات التقنية والطبية والتدريبية.
ومن عوامل نجاح “رؤية سوريا 2050” أيضاً الموقع الإستراتيجي بين قارات أوروبا وآسيا وأفريقيا، وتشكيلها صلة الوصل بين العرب وأوروبا، وثرواتها الطبيعية المتنوعة مثل النفط والغاز والفوسفات والمحاصيل الزراعية الإستراتيجية كالقمح والقطن، مع تراث إنساني عريق، وتنوع جغرافي مذهل يتنقل بين الجبل والسهل والبحر والصحراء مع الأجواء المتوسطية المعتدلة التي تدعم السياحة.
ولحسن الحظ أن دولاً في المنطقة تمتلك خبرة كبيرة في إطلاق الخطط التنموية الشاملة يمكن الاستفادة من تجربتها، وأقربها للتطبيق على الواقع السوري “رؤية السعودية 2030” التي أطلقها ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز عام 2016 ونقلت المملكة نقلة نوعية هائلة في جميع الجوانب، وهي التي أشار إليها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني حين قال ضمن جلسة في مؤتمر دافوس يناير الماضي إن بلاده تستلهم رؤيتها الجديدة من رؤية السعودية.
وما يساعد سوريا أن دول الخليج العربي والأردن وتركيا أسهمت في دعم سوريا بفعالية منذ التحرير، كما قطعت البلاد شوطاً في التفاهمات مع العراق ولبنان، والانفتاح على الغرب خصوصاً الدول الفاعلة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي تملك مفاتيح فك العزلة السياسية والاقتصادية عن البلاد، وهذا كله يدعم استقرار سوريا، والانطلاق نحو المستقبل.
ومن المهم لنجاح الرؤية السورية، توطيد الاستقرار الأمني ليكون الأرضية التي تبنى عليها مستقبل البلاد، وفي هذا الصدد تأتي أهمية إنهاء الملفات العالقة جنوب البلاد سواء المتعلقة بالترتيبات الأمنية على حدود فلسطين المحتلة أو المتعلقة بمحافظة السويداء، إضافة إلى تنفيذ الاتفاق مع قوات سوريا الديموقراطية (قسد) الذي جرى توقيعه في مارس الماضي، والمضي قدماً في تحقيق العدالة الانتقالية ومحاسبة فلول النظام البائد.
وكلما تحسّن الوضع السياسي والأمني في سوريا تعززت فرص الانتقال إلى ملف إعادة الإعمار، مع ما يحمله من أمل بتحسن الوضع الاقتصادي، وازدياد فرص العمل، ومشاركة الخبرات السورية المنتشرة في غالبية بلاد العالم، وعودة رؤوس الأموال الهائلة التي غادرت البلاد خلال الأعوام الماضية، ودعم التنمية الوطنية.
وأعتقد أننا يمكن أن نشهد ولادة “رؤية سوريا 2050” بعد النجاح في تجاوز عقبة “قيصر” التي تشل الاقتصاد وتمنع إلى حد كبير رؤوس الأموال من القدوم إلى سوريا، وفي جميع الأحوال علينا جميعاً العمل بجد وإخلاص من أجل سوريا الجديدة، فلا شيء يمنع سوريا أن تكون في مقدمة دول العالم بعد أن تخلّصنا من النظام الأسدي الأسوأ في العالم.