سعوديتنا الوجدانية، في الحكاية الأعمق تمثل اللحظة التي تشكل فيها وَعْيَنَا على هذه الأرض، هي تفاصيل الطفولة، وهي التخلق والنمو المستمر لمعنى الانتماء، وهي اللهجة التي نحبها دون أن نُعلَّم حبها، وهي العادات التي نمارسها دون أن نشعر بأنها خيار، بل لأنها جزءٌ منّا لا ينفصل عنا.
لا نَسأل ولا نُسأل لماذا نحب – نحن السعوديين- السعودية؟ لأن الحب هنا ليس قرارًا، بل هو حالة، حالة لا تشبه إلا ارتباط الإنسان بصوته، وملامحه، وأجزاء جسده، فالسعودية عندنا شيء لا يمكن تفسيره رغم فهمنا العميق له، ولا يمكن التعبير عنها -حق التعبير- رغم بلاغتنا وفصاحتنا نثرًا وشعرًا، هي الكينونة التي لا يمكن استبدالها، أو الاستعاضة عنها بغيرها، لأنها ببساطة «أنت»، و«أنت» «هي».
سعوديتنا هي ذلك الإحساس الذي يسري في كل ذرة من كيانك حينما تسمع اسمها، أو ترى عَلَمَها، أو تشنف أذنيك سلامها الملكي، إنه شعور لا يفسر، بل يستلهم حبًا وولاءً وانتماءً وصدقًا وفداءً بكل غالٍ ونفيس، وكل قريب وبعيد مهما غلا ثمنه وعلت قيمته، فسعوديتنا أولًا وسعوديتنا آخرًا.
سعوديتنا التي أحيت فينا العطاء الصامت كعطاء النخيل، وجعلتنا نرى في الصحراء امتلاء المعنى، واتساع الكون في دواخلنا. سعوديتنا التي ربطتنا بقهوتها كفلسفة احتفاء، ورمز كرم لا يُعلن عن نفسه، بل يُمارس ببساطة وتلقائية. سعوديتنا التي حولت بيت الشَعر من مجرد مأوى، إلى فكرة حياة: بساطة، وتكافل، وقرب إنساني لا تصنعه المباني والجدران. سعوديتنا التي صنعت من الشِعر والشعراء أغنيات حلم، وجسور أمل وحب وطهر إلى كل نجوم السماء. سعوديتنا التي حولت مفرداتنا الثقافية الخيل والجمل والصقر والسيف والدلة إلى أيقونات تشكل طريقتنا في رؤية العالم، وفهم أنفسنا.
وأما سعوديتنا الواقعية، التضاريس التي سقتها قصص الصمود: فهي الحياة التي نعيشها، وهي الوطن الذي قام على أرض منحت من أحبها وسقاها بدمائه وأشواقه خيراتها بلا حد ولا عد ولا مَن.
سعوديتنا الواقعية دولة لم تتشكل صدفة، بل كانت نتيجة ملحمة تاريخية أسطورية بدأها المؤسس الإمام محمد بن سعود، وناضل في سبيلها الإمام تركي بن عبدالله، ووحدها الملك عبدالعزيز بن عبد الرحمن آل سعود، الذي استطاع أن يحول التفرق إلى وحدة، والاضطراب إلى استقرار.
سعوديتنا ليست مجرد أرض، بل منظومة مكتملة: جغرافيا ضمت السهل والجبل والوادي والساحل، وشعب أبي ندي راق معطاء يحمل في داخله تنوعًا ثقافيًا لا يتكرر، وخيرات ومقدرات هائلة جعلت منا أهم مؤثر في العالم، وقيادة حملت على عاتقها عظم الأمانة، وجسامة الأماني.
في سعوديتنا، ندرك أن الوطنية عهد ومسؤولية، مسؤولية أن نحافظ على هذا الكيان، وأن نطوره، وأن نحميه من التحديات، وأن نكون على مستوى ما أُنجز فيه، وعهد اليوم أن نكون له وحده، بلا مشارك أو منافس. وطنية السعودي، أن يكون حلًا لا مشكلة، وأن يرى في نجاح «سعوديته» نجاحًا شخصيًا له، ويرى في أي تهديد لها تهديدًا مباشرًا لوجوده وكينونته وحياته. وطنية السعودي؛ وطنية الإخلاص والاحترام وحسن التمثيل وصدق الولاء لكل ما هو سعودي.
حبنا «لسعوديتنا» ليس عاطفة أو شعورًا فحسب، بل هو امتداد للحمة قيادة وشعب، وعلاقة ولاء وثقة وقناعة، ولاء لا يحسب كموقف سياسي، بل إدراكًا عميقًا بأن هذا الاستقرار الذي نعيشه لم يكن لولا هذا النظام الذي أثبت قدرته على حماية الوطن وتطويره في آن واحد، وهذا ما يجعل «ولي الأمر» و«ولي عهده»، ليسا مجرد قيادة، بل هما رمزان لوحدة الوطن واستمراريته، فهما من حمل مشروع الدولة الممتد عبر الأجيال، وحافظا عليه، ودفعا به نحو المستقبل دون أن يفقد جذوره، ولذلك صغنا – نحن السعوديين – الشعار الخالد وصبغناه بصبغتنا: (الله، ثم المليك والوطن).
سعوديتنا أولًا؛ لأنها ببساطة العمق الذي منحنا المعنى، ومن دونها نحن مجرد أفراد بلا سياق متصل، ولا هوية مكتملة، فسعوديتنا هي التي أعطت لجهدنا اتجاهًا، ولنجاحنا شكلًا، ولحياتنا مضمونًا يمكن فهمه.
سعوديتنا أولًا؛ لأننا ندرك أن استقرارها هو استقرارنا، وقوتها هي قوتنا، ومكانتها في العالم تنعكس علينا. سعوديتنا أولًا؛ لأننا نؤمن أن الوطن ليس خيارًا يمكن تغييره، بل هو قدر يُصنع ويُصان.
سعوديتنا الوجدانية تُشعرنا بأننا ننتمي، وسعوديتنا الواقعية تمنحنا ما ننتمي إليه. وبين ثنائية الأرض والوجدان، تتشكل الحقيقة الكاملة: السعودية ليست وطنًا نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا. ولهذا؛ فسعوديتنا أولًا.
العمق الذي منحنا المعنى، من دونها نحن بلا سياق متصل، ولا هوية، هي التي أعطت لجهدنا اتجاهًا، ولنجاحنا شكلًا، ولحياتنا مضمونًا يمكن فهمه.