يقول الوردي: إن هذا السلطان، الذي يعج قصره بالجواري والملذات، عندما يسمع الوعظ ويربط ذلك بطاعة الناس له بحكم أنه أمير المؤمنين في نظرهم، فإنه يُغشى عليه لحبه لسلطانه ونعيمه، لكنه يعتقد أنه أُغشي عليه من التقوى. ويقول الوردي: لو أنني أملك عشرَ معشار نعيم هذا السلطان لربما أُغشي علي ثلاث مرات في اليوم.
وهذا الساتر لعقل هذا السلطان أصبح اليوم أكثر وضوحًا مع تقدم علم النفس وعلم الاجتماع، وتعمقت الأبحاث فيه، وهو أن الإنسان تحجب أفكاره سواتر وتحيزات يصعب عليه اكتشافها.
وإذا أخذنا اليوم الدكتور عدنان إبراهيم مثالًا، خصوصًا وهو شخص واسع الاطلاع، وله عشرات السنين وهو يخطب ويحاضر في أمور فكرية عميقة، بل ويتطرق كثيرًا لهذا الموضوع بالذات.
وطبعًا – من باب أولى – إذا كان إنسان بهذا المستوى من الاطلاع يقع في تحيزات كبرى، فمن هم أقل منه اطلاعًا سيكونون أكثر عرضة لها.
والدكتور عدنان يقول دائمًا إنه يحاول أن يكون متحررًا من كل السواتر والتحيزات، بل إنه حتى في قضية وجود الله، سبحانه وتعالى، يقول إنه يبحث بكل جدية في حقيقة هذه القضية، ولو ثبت لديه بطلانها لأعلن ذلك للناس.
وهذا مستوى عالٍ من التحرر من قيود التحيز من شخص عاش طول عمره متدينًا، بأن لا تحجبه هذه الستارة.
ولكن هناك موضوعًا آخر يبدو أصعب، وتستره ستارة كبرى عند الدكتور عدنان، ولم يضعه يومًا تحت مجهر النقد مهما ضغطت عليه القضايا المتعلقة به، ومهما ألحت الحاجة إليه، ألا وهو تميز السلالة التي يعتقد أنه منها، والأساطير في موروثهم المبثوثة في كتب جميع المذاهب الإسلامية عبرهم.
فهو وبعض من يعتقدون انتسابهم إلى علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، يظنون أن سنهم هي السن البارزة في أسنان مشط البشرية، مع اختلافات بينهم في نوع هذا التميز ومزاياه.
وبعض هؤلاء —حتى وإن كانوا متفتحين ومؤمنين بالعدالة والمساواة— إلا أنهم إذا وصلوا إلى موضوع تفوق عِرقهم أو الخرافات التي وضعها القصاصون حول أجدادهم فإن ستارة تحجب عقولهم عندها، وإنما بدرجات متفاوتة وبطرق مختلفة.
ومن يتابع عدنان إبراهيم بتمعن يعرف أن الستارة التي تحجب عقله في هذا الموضوع ستارة كثيفة جدًا.
وبطبيعة الحال فإن قضية الفتنة الكبرى حاضرة في وجدان كل مؤمن بفكرة التفوق الوراثي هذا؛ وقد أطلق الدكتور عدنان ذات مرة سلسلة ينبش فيها تاريخ الفتنة ليصب غضبه وأبحاثه الدقيقة على خصوم أجداده، ويخطئ هؤلاء الخصوم متدرعًا بما يجده في أي من كتب التراث التي لا يقيم لها وزنًا إذا خالفت رغبتَه المستترة.
خاض الدكتور هذه السلسلة وتبعاتها بروح قتالية؛ ومن يراه فيها يشعر أنه في وسط معركة صفين بجوار الأشتر وذي الخويصرة يذود عن «الحق الإلهي»، ولم يلتفت ولو مرة واحدة إلى محاسبة ومراجعة فريقه والأخطاء التي قد يكون ارتكبها أجداده أيضًا، ولم نره يحقق ولو تحقيقًا خفيفًا في الروايات التي تُحمل الفريق الآخر الأخطاء وتروي الاعترافات، ولماذا هؤلاء الأجداد لا يخطئون وهم بشر وقد وقعت أكبر فتنة في تاريخ الأمة في عهدهم، وكانوا تاريخيًا جزءًا منها.
ونحن كمسلمين نؤمن بأن البشر معرضون للأخطاء، ولكننا لا نرى ضرورة للتوقف عند هذه الأخطاء التي حصلت قبل أربعة عشر قرنًا، باستثناء أصحاب مشروع الإسلام السياسي السلالي.
والدكتور بطبعه يحب أن يمحص كل قضية مهما كانت قوية، لكنه يتهرب أو لا يرى هذه القضية، بل إنك تراه يتمسك بقصص هشة من المرسلات لا تملك أي وزن في ميزان التحقيق إذا كانت تصب في تعزيز رغبته المستترة هذه، وينقلها في سياق أحاديثه كأنها حقائق فوق النقد، وهي حكايات لو وُجه لها جزء من سهام النقد القوية التي يحب أن يوجهها لغيرها لانهارت.
والحقيقة أن الدكتور بعد فترة أعلن الندم على هذه السلسلة، ليس لأنه كان منحازًا فيها أو لأنه اكتشف أن عقله كان مستورًا فيها، بل لأنه بحسب قوله لم تأتِ أُكُلَها الذي كان يتمناه، وهو طبعًا ذات الرغبة المستترة.
مر الدكتور بتحولات كبيرة، منها مرة مع الربيع العربي ثم ضده، تتحول أفكاره بشكل كبير، إلا أن هذه الستارة تبقى تصون الفكرة المركزية عنده.
وغاب فترة من الزمان، ثم ظهر في بودكاست، وكالعادة يتطرق للفتنة الكبرى إن سُئل عنها أو لم يُسأل رغم أنه قال إنه أغلق ملفها ولن يذكرها، وعندما ذكر خصم جده قال إن هناك روايات قد تربط بين بعض التعيينات التي قام بها معاوية وواحد أو بعض قتلة الخليفة عثمان، رضي الله عنهما.
ومن يسمع هذا القول يضحك من حجم الستارة التي تحجب عقل هذا المفكر الكبير؛ لأن من المعلوم والثابت عند الجميع مَن الذي يتجمهر قتلة الخليفة عثمان حوله، بل وفي بيته، ولكن الستارة حجبتهم كلهم وتعلق بوهم قشة تحمي الرغبة المستترة كما يعمل دائمًا في هذه القضية.
عاد الدكتور قريبًا ليعلن حربًا ضروسًا على فكر الإسلام السياسي، وهو عمل تحتاجه فعلًا الأمة، ولكن كما هو متوقع الدكتور لا يرى النوع الأكبر والأخطر والأقدم من مشاريع الإسلام السياسي، ولا يرى ثلاثة شعوب عربية على الأقل تُذبح بسيوف خرافات المؤمنين بالتفوق الوراثي، ويتخذون من أقوال الدكتور عدنان مادة إعلامية وتوعوية لهم بشكل علني منشورة في وسائل إعلامهم، تحت عناوين مثل: «عالم سني يعترف بكذا وكذا». أو أن الدكتور يرى ولكنه يوافقهم في بعض أفكارهم، خصوصاً التاريخية والسلالية، رغم أنه —على الأغلب وبحسب ظننا فيه— لا يوافقهم في الوسيلة.
وحديثًا ظهر الدكتور في برنامج اسمه سواتر العقل، وقد كان كاتب هذه السطور سعيدًا جدًا بأن يتطرق الدكتور مجددًا لهذا الموضوع.
وأرسلت رسالة شخصية للدكتور لأنبهه فيها إلى هذه النقطة، وسألته هل يستطيع الدكتور — إن كان لا بد من إعادة فتح ملف الفتنة الذي لا يعني الأمة اليوم عدا جماعة الإسلام السياسي السلالي— أن يراجع نفسه ويزيح هذه الستارة عن عقله، ويسأل نفسه: هل أحكامه الجازمة حول الفتنة قائمة فقط على نتائج التحقيق النزيه أم هي رغبة مستترة قائمة على النسب وتمييزاته؟
ولكن وأنا أتابع الحلقة الثانية، ورغم أنه كان يتحدث مع المحاور في مواضيع فكرية بعيدة، فإنه كعادته بدا من فيه موضوع الفتنة، وقال إن الفتنة الكبرى حصلت لأن جده كان كاملًا، ولأن البشر يكرهون الكمال، فلذلك اصطدموا معه.
هذا آخر إصدار لتفسير الدكتور عن الفتنة الكبرى، التي يعرف أي باحث موضوعي أنها صراع على السلطة حصلت فيه كثير من الأخطاء، ولكن من العجب أن يكون تفسيرها بهذه الطريقة الأسطورية.
وأيضًا لا نعرف لماذا لم تحصل الفتنة في عصر الخلفاء الراشدين أو رسولِ الله بناء على هذا التفسير؟
كذلك عندما فسر معنى الكمال، ذكر بعض أنواع الكمالات «الزاعقة»، وذكر منها كمال النسب والذرية، التي طبعًا هو منها.
ولا بد أن أسجل في هذا المقام أن للدكتور عدنان إبراهيم دروسًا جميلة ومحاضرات نافعة، وقد نافح كثيرًا في بعض القضايا العقدية المهمة.
وهو قطعًا ليس من أنصار التفوق الوراثي بالشكل التقليدي مثل جماعات أخرى من السطحيين أو المتشددين، ولكن ستارة عقله حول الفتنة ورموزها تبقى كثيفة.
وأرجو أن يكون هذا المقال رسالة للدكتور ودعوة له خصوصًا وهو يتبنى الوعظ في مراجعة العقل بأن يثبت لنا عمليًا ويُراجع عقله، ويرى هل فعلاً يستطيع رفع هذه الستارة عن عقله؟
فإن لم يستطع وهذا ما أرجحه ولا أتمناه فهي رسالة لمتابعيه بأن يضعوا في الاعتبار وهم يسمعون للدكتور أنه مثل باقي البشر، يحجب عقله نوع من الستائر، وهو هذا النوع الذي أوضحناه.
ونحن نسمع لجميع من لديهم علم مهما كانت عقائدهم مخالفة ومهما كانت تحيزاتهم؛ إنما من الصحي أن تعرف تحيزات من تسمع له، فهذا يزيد الفائدة ويقلل الأضرار.
أو على الأقل يعلم الجميع أن أقوال الدكتور التي يستخدمها أصحاب مشروع الإسلام السياسي السلالي ليست حُجة لهم، وشهادته مجروحة.
والصلاة والسلام على رسول الله، ورضي الله عن أصحابه أجمعين.