تذكّرتُ حينها البيتَ الشعري الشهير الجميل القديم، الذي يُنسب إلى أبي إسحاق الغزّي وإلى غيره، مع أنه موجود في ديوان الأديب اللبناني طانيوس عبده:
ما مضى فاتَ والمؤملُ غيبٌ
ولك الساعة التي أنت فيها.
ولكنّ الذي شدّني أكثر، هو قوله (عيش يومك هبيل) فطلبتُ منه أن يشرح لي مقصده بدقة من كلمة هبيل، مع أنّي فهمت معناها الواضح، فهي صيغة مبالغة على وزن (فعيل) من الهبل، تقول العرب: هبل الرجل؛ أي فقد عقله.. وتقول أيضًا: استهبل الشخص؛ أي تظاهر بالحمق والغفلة.
فقال السائق: المقصد هو: لا تأخذ الحياة بجديّة كاملة، وعشها بصورة أقرب للجنون أو الهَبَل، مع الكثير من اللامبالاة. فقلت له لماذا؟، فقال ونحن نشرب القهوة التي توقفنا من أجلها في أحد المقاهي على الطريق: أقصدُ أنّ الحياة غير مفهومة، فكل فرد من البشر، يتمسّك ويتحمّس لما يعتقد أنه صحيح وسليم أو مناسب له، سواء كان ذلك قناعاتٍ أو أخلاقًا أو آراءً أو مبادئ أو غيرها. وفي الحقيقة هو لا يستطيع إثبات صحة أيِّ شيء بشكل قطعيّ أو بنسبة كاملة!. ويواصل السائق –حسب صياغتي لما رسخ في ذاكرتي- بقوله: درستُ ثلاثة أشهر فقط في الجامعة ولم أكمل، ولكنّي لن أنسى ذلك الموقف الذي حصل بين أستاذين كبيرين، أحدهما عميد كلية، والآخر بدرجة «بروفيسور»، حيث اختلف الأستاذان في مسألة كبرى أمام الطلاب في إحدى الندوات، وتطوّر الاختلاف حتى وصل إلى مشادة كلامية، وشجار علني بصوت مرتفع، وبكلمات خارجة جارحة لا تليق بهما ولا بالجامعة.
ومن هذا الموقف –وغيره من مواقف الحياة المختلفة- أدركتُ أنّ الناس لن يتفقوا على شيء، وأنه لا يمكن لأحد أن يحدّد بصورة مطلقة: ما هو الصواب، وما هو الخطأ. فقرّرت أنْ أعيش حياتي كما أريد، وفق ما يقنعني ويحقق لي ما أرغبه، وما أعتقد أنه يسعدني فقط؛ بغض النظر عن مواقف الناس وآرائهم. انتهى كلام السائق.
وبعدها بزمن، سافرتُ إلى القاهرة، وركبتُ مع الكثير من سائقي الأجرة، ومن ضمنهم سائق أعجبني فاتفقتُ معه على استئجار سيارته عدّة أيام متواصلة. لم أنسَ ذلك السائق، حيث كان يكرّر دائمًا قوله بلهجته العامية المصرية: (هوّا حدّ فاهم حاجه)، فقد كانت هذه العبارة هي تعليقه غالبًا على كلّ المواقف والأحداث والأمور المختلفة التي تواجهنا في كلِّ يوم.
أطلتُ تأمل كلامه، وربطته بمقولة السائق الأول (عيش يومك هبيل أو أهبل) وبشرحه لها حين أوضح أنّ السببَ هو أنه لا أحد يملك المعرفة اليقينية المؤكدة عن أيّ شيء.
ومع هذا الربط والتأمل الطويل في كلام السائقين، لم يبرز أمامي إلا قول سقراط:
(كل ما أعرفه هو أنني لا أعرف شيئًا).
فإذا كان سقراط وهو سقراط – الذي يسمّيه الكثيرون (المعلّم الأول) ويعدّونه أبًا للفلسفة الغربية- لا يعرف شيئًا، فلا شك أنّ في كلام سائقي الأجرة الكثير من التفلسف المميز في نظري.. ولا شك أنّ تأمل كلامهما ووضعه بجانب كلام سقراط، وبجانب بيت الغزي أو طانيوس -الوارد في الأعلى- سيوصل المتأمل الصادق مع نفسه إلى نتائج كبرى، قد تغيّر نظرته إلى الكثير من الأمور والأشياء والمسائل، بل وإلى الحياة كلها.