إن البيئة الدولية التي تقوم على احترام حقوق الإنسان، وتعزيز الديمقراطية، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية وفق المبادئ المنصوص عليها في الأمم المتحدة وميثاقها، تمثل أساساً ضرورياً لتحسين أوضاع النساء في العالم. فالسلم والتنمية والعدالة بين الجنسين عناصر مترابطة لا يمكن فصل أحدها عن الآخر. ومع ذلك، لا تزال النزاعات المسلحة والإرهاب وعمليات احتجاز الرهائن والاحتلال الأجنبي والصراعات العرقية واقعاً تعيشه مناطق عديدة من العالم، وهو واقع يترك آثاره العميقة على المجتمعات، وبخاصة على النساء.
وفي ظل هذه الأوضاع، تتواصل في كثير من أنحاء العالم انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، تشمل التعذيب والمعاملة القاسية أو المهينة والاختفاء القسري والاعتقال التعسفي. كما تتجلى هذه الانتهاكات في العنصرية والتمييز، والفقر والجوع، وانتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى التمييز ضد النساء وغياب سيادة القانون. وغالباً ما يُنتهك القانون الإنساني الدولي الذي يحظر استهداف المدنيين، فتكون النساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة من بين الفئات الأكثر تضرراً من هذه الانتهاكات.
وتبرز مأساة النساء بشكل خاص في أوقات الحروب. فالاعتداء على حقوق النساء الأساسية في النزاعات المسلحة يشكل انتهاكاً صريحاً لمبادئ حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. وتبقى جرائم مثل الإبادة الجماعية وسياسات التطهير العرقي والاغتصاب المنهجي في الحروب من أبشع الجرائم التي يشهدها العالم، وهي ممارسات تؤدي في كثير من الأحيان إلى موجات واسعة من اللجوء والنزوح القسري.
أكدت اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب (1949). وبروتوكولاتها الإضافية لعام 1977 ضرورة توفير حماية خاصة للنساء، ولا سيما من الاعتداء على كرامتهن ومن العنف الجنسي أو أي شكل من أشكال الإهانة. كما شدد إعلان وبرنامج عمل فيينا (1993) على أن الانتهاكات التي تتعرض لها النساء في النزاعات المسلحة تعد انتهاكات خطيرة للقانون الدولي ولحقوق الإنسان، الأمر الذي يستدعي تحركاً دولياً حازماً لمواجهتها.
النزاعات المسلحة والاحتلال والاعتداء العسكري غالباً ما تؤدي إلى موجات ضخمة من اللاجئين والنازحين، وتشكل النساء والفتيات والأطفال غالبية هؤلاء. وغالباً ما يكون عدد الضحايا بين المدنيين أكبر بكثير من عدد الضحايا بين المقاتلين. وفي الوقت نفسه تتحمل النساء أعباء إضافية، إذ يجدن أنفسهن فجأة مسؤولات عن إعالة أسرهن ورعاية الأطفال وكبار السن والجرحى في ظروف قاسية.
وفي عالم يتسم بعدم الاستقرار والعنف، يصبح من الضروري اعتماد مقاربات جديدة للسلام تقوم على التعاون والمشاركة. وتشير التقديرات إلى أن النساء والأطفال يشكلون نحو 80 % من ملايين اللاجئين والنازحين في العالم. وهم يواجهون أخطاراً متعددة، من فقدان الممتلكات إلى الحرمان من الخدمات الأساسية والعنف وانعدام الأمن، وفق ما نصت عليه اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وبروتوكولها لعام 1967. ومع ذلك يظل العديد منهن عرضة للاستغلال والعنف خلال رحلة النزوح وفي بلدان اللجوء.
ومع كل هذه المعاناة، تظهر النساء أيضاً قدرة كبيرة على الصمود. فالنساء اللاجئات والمهاجرات والنازحات غالباً ما يبرهنّ على قوة وإبداع وروح مبادرة تمكنهن من الإسهام في إعادة بناء مجتمعاتهن سواء في بلدان اللجوء أو عند العودة إلى أوطانهن. ولهذا من الضروري إشراكهن في اتخاذ القرارات التي تمس حياتهن ومستقبلهن.
ورغم قسوة النزاعات، تلعب النساء دوراً محورياً في الحفاظ على تماسك المجتمعات. ففي أوقات الحرب والانقسام الاجتماعي غالباً ما تتحمل النساء مسؤولية الحفاظ على النسيج الاجتماعي، كما يقمن بدور مهم – وإن كان غير مرئي في كثير من الأحيان – في نشر ثقافة السلام داخل الأسرة والمجتمع.
إن تحقيق سلام دائم يتطلب أيضاً ترسيخ ثقافة السلام منذ الطفولة، قائمة على العدالة والتسامح واحترام التنوع. كما ينبغي تعليم الأجيال الجديدة مبادئ حل النزاعات والوساطة ومكافحة التمييز والأحكام المسبقة.
فكل قرار أو مبادرة في مجال الأمن والسلام يجب أن يسبقه تحليل واضح لتأثيره في النساء والرجال على حد سواء، بما يضمن تحقيق العدالة والمساواة.
وفي ذكرى اليوم العالمي للمرأة، يتجدد التذكير بأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق دون مشاركة النساء الكاملة في صنعه وصونه. فتمكين النساء ليس فقط قضية حقوق إنسان، بل هو أيضاً شرط أساسي لبناء عالم أكثر عدلاً وأمناً للجميع.