الاحتراق الوظيفي لا يعني فقط أن تكون متعبًا، بل أن تكون فارغًا من الداخل. أن تفقد الحماس، وأن يصبح العمل عبئًا نفسيًا، وأن تشعر أنك تؤدي مهامك آليًا بلا معنى. كثيرون يبتسمون في مكاتبهم، لكن داخلهم ينهار بصمت. لأن ثقافة العمل لدينا ما زالت تمجّد الإرهاق، وتكافئ الإفراط، وتربط القيمة الإنسانية بعدد الساعات لا بجودة الإنتاج.
المشكلة تبدأ من الفكرة نفسها: «يجب أن أكون متاحًا دائمًا». الهاتف لا يغلق. البريد لا ينتظر. الرسائل تأتي في أي وقت. والموظف يُتوقع منه أن يرد فورًا، حتى في وقت الراحة، وحتى في حضن أسرته. وهكذا تختفي الحدود بين العمل والحياة، ويتحوّل البيت إلى مكتب إضافي، وتتحوّل الإجازة إلى قلق مؤجل.
هذه الحالة تؤثر مباشرة في العلاقات الأسرية والعاطفية. الشخص المُحترق وظيفيًا حاضر جسديًا، غائب ذهنيًا. يجلس مع أسرته وهو يفكر في المهام. يستمع وهو لا يسمع. يشارك وهو منهك. ومع الوقت، تتآكل العلاقة، ليس بسبب سوء نية، بل بسبب غياب الطاقة النفسية.
يتضاعف هذا الضغط بسبب عوامل ثقافية واقتصادية؛ الخوف من فقدان الوظيفة، التنافس العالي، الطموح السريع، وصورة «الموظف المثالي» الذي لا يرفض، ولا يشتكي، ولا يتعب. هذه الصورة تُجبر كثيرين على تجاهل إشارات الخطر: الأرق، القلق، العصبية، فقدان المتعة، التعب المزمن.
الاحتراق الوظيفي ليس ضعفًا، بل إنذار. إنذار بأن نمط الحياة الحالي غير مستدام. وأن الجسد والعقل يطالبان بإعادة توازن قبل الانهيار.
الحل لا يبدأ بإجازة أسبوع، بل بتغيير طريقة التفكير. أول خطوة هي الاعتراف بأن الراحة ليست ترفًا، بل ضرورة مهنية. الموظف المرتاح نفسيًا أكثر إنتاجية، وأكثر إبداعًا، وأقل أخطاءً. هذا ليس شعارًا تنمويًا، بل حقيقة علمية مثبتة.
ثاني خطوة هي بناء حدود واضحة؛ وقت العمل للعمل، ووقت الحياة للحياة. إغلاق الإيميل بعد الدوام ليس تقصيرًا. عدم الرد في الإجازة ليس قلة التزام. بل احترام للذات وللدور المهني على المدى الطويل.
ثالثًا: إعادة ترتيب الأولويات. ليس كل شيء عاجلًا. وليس كل مهمة تستحق استنزاف الصحة. تعلم قول «لا» في الوقت المناسب مهارة نفسية، لا وقاحة مهنية.
رابعًا: الاستثمار في الصحة النفسية داخل المؤسسات. نحن بحاجة إلى برامج دعم، وجلسات توعوية، وثقافة إدارية تفهم الإنسان لا فقط الأرقام. المدير الواعي نفسيًا يحمي فريقه من الاحتراق، لأنه يعرف أن الإرهاق المزمن يدمّر الأداء.
أما على المستوى الشخصي، فالفصل بين العمل والحياة يبدأ بطقوس بسيطة: ممارسة رياضة، قراءة، جلسة عائلية بلا هاتف، هواية قديمة، مساحة صمت.
هذه ليست كماليات، بل أدوات نجاة. العمل مهم، نعم. والنجاح مهم، نعم. لكن الحياة أهم. لأن الموظف الذي يخسر صحته وعلاقاته في الطريق، لم ينجح… بل دفع ثمنًا أكبر مما يستحق.
ربما آن الأوان لأن نعيد تعريف «النجاح». ليس بعدد الساعات، بل بجودة الحياة. ليس بسرعة الترقي، بل باستدامة العافية. الاحتراق الوظيفي رسالة، ومن الحكمة أن نصغي إليها… قبل أن تتحول إلى صرخة.