ففي بدايات القرن العشرين، حين كانت بريطانيا العظمى في ذروة قوتها وتُعرف بالإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، كانت صاحبة التأثير الأكبر في الخليج العربي وإيران.
وفي عام 1921 وقع الانقلاب على الدولة القاجارية الضعيفة التي كانت تحكم إيران، والذي أوصل رضا شاه بهلوي إلى السلطة بدعم بريطاني خوفًا من التمدد الروسي، وهو الحدث الذي شكّل بداية مرحلة جديدة في إعادة ترتيب النفوذ السياسي في المنطقة.
وفي تلك المرحلة كانت إمارة المحمرة العربية في إقليم الأحواز على الساحل الشرقي للخليج العربي تحت حكم الشيخ خزعل بن جابر الكعبي، الذي تولى الحكم عام 1897م، واستمرت إمارته سنوات طويلة تمتعت خلالها المنطقة بهويتها العربية وبقدر من الاستقلال السياسي واتفاقيات مع البريطانيين.
لكن موازين القوى الدولية في ذلك الوقت كانت تميل لصالح القوى الكبرى، فحين قررت بريطانيا دعم مشروع الدولة المركزية في إيران تُرك الشيخ خزعل لمصيره. وفي 20 أبريل 1925م تمكنت قوات رضا شاه من استدراج الشيخ خزعل بحجة الاتفاق على صلح، ولكن الشاه خان الاتفاق واعتقله، لتنتهي بذلك إمارة المحمرة العربية ويُضم الإقليم إلى الدولة الإيرانية، في خطوة اعتبرها كثير من الباحثين تحولًا كبيرًا في خريطة النفوذ في الخليج العربي.
وفي سياق تلك التحولات السياسية ظهرت قضية أخرى ذات دلالة سياسية وثقافية، وهي مسألة التسمية في الخرائط الدولية. فبعد سقوط إمارة المحمرة وضم الأحواز إلى إيران في عام 1925م بدأت تظهر في عدد من الخرائط البريطانية والغربية تسميات جديدة للخليج، حيث جرى في بعض الخرائط استبدال مسمى الخليج العربي بمسمى الخليج الفارسي، وهو تغيير ربطه بعض الباحثين بالمرحلة السياسية التي سعت فيها القوى الاستعمارية إلى إعادة تشكيل النفوذ في الجزيرة العربية ومحيطها بما يخدم مصالحها الإستراتيجية.
ومع مرور العقود تغيّرت أدوات إدارة النفوذ في المنطقة. فقد استمر حكم الشاه في إيران منذ 1925م حتى أواخر سبعينيات القرن العشرين، لكن حين رأت القوى الغربية أن دوره لم يعد قادرًا على تحقيق الأهداف التي كانت ترجى منه في إدارة التوازنات الإقليمية، شهدت إيران تحولًا سياسيًا كبيرًا تمثل في الثورة الإيرانية عام 1979م. والتي أتت بدعم من الغرب. وفي تلك المرحلة عاد الخميني من منفاه في فرنسا إلى طهران على متن طائرة خاصة، لتبدأ مرحلة جديدة في الحكم تمثلت في نظام الملالي، وهو التحول الذي رأى فيه كثير من المحللين بداية مرحلة مختلفة في إدارة الصراعات والتوازنات السياسية في المنطقة.
وبعد ذلك بعام واحد فقط اندلعت الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988) التي استمرت ثماني سنوات واستنفدت قدرات البلدين وأثرت في استقرار المنطقة بأسرها، وكانت واحدة من أطول الحروب في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
ومع مطلع القرن الحادي والعشرين تصاعد النفوذ الإيراني في عدد من الدول العربية، خاصة بعد سقوط نظام الحكم بالعراق وسقوط بغداد عام 2003م، حيث برز حضور إيراني واضح في العراق بدعم من الغرب، ثم امتد التأثير إلى ملفات إقليمية أخرى في سوريا ولبنان واليمن، الأمر الذي أدى إلى قلق واسع حول مستقبل التوازن الإقليمي في المنطقة.
وفي ظل هذه التحولات تشهد المنطقة اليوم حالة صراع وتوتر قائم بين طرفين رئيسيين يتمثلان في الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وقد أصبحت هذه المواجهة إحدى القضايا الكبرى في معادلة الشرق الأوسط المعاصرة بما تحمله من احتمالات التصعيد وإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية.
ويرى عدد من المحللين أن هذا الصراع قد يُستخدم في بعض الأحيان كورقة ضغط لإعادة تشكيل التوازنات في المنطقة، وربما لاستدراج بعض دول المنطقة، خصوصًا دول الخليج العربي التي تشهد نموًا اقتصاديًا متسارعًا وتتصاعد مكانتها السياسية والاقتصادية على المستوى الدولي، إلى الدخول في صراعات قد تستنزف قدراتها أو تؤثر في استقرارها.
غير أن ما يميز المرحلة الراهنة هو وعي القيادة في دول الخليج والدول العربية بطبيعة هذه التحديات وتعقيداتها، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية التي تعاملت مع هذه الأحداث بقدر كبير من الحكمة والتوازن، وحرصت على تجنيب المنطقة الانزلاق إلى صراعات واسعة قد تضر بمصالح شعوبها واستقرارها.
وقد اتسمت السياسة السعودية خلال هذه المرحلة بالحرص على حماية أمن المنطقة واستقرارها، والعمل على تجنب الانجرار إلى صراعات قد تستنزف الدول العربية أو تضعف قدرتها على التنمية والتقدم.
وفي السنوات الأخيرة برزت رؤية إصلاحية وتنموية يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي يعمل على تعزيز مكانة المملكة إقليميًا ودوليًا، إلى جانب مشروع وطني طموح يهدف إلى بناء دولة قوية اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا.
وقد انعكس هذا التوجه في الدور الذي تقوم به المملكة في دعم الاستقرار الإقليمي، والعمل على إعادة التوازن في عدد من الملفات العربية، وتعزيز التضامن العربي والإسلامي، والسعي إلى بناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا لشعوب المنطقة.
تاريخ الشرق الأوسط يثبت أن الشعوب التي تمتلك الإرادة والقيادة الواعية قادرة على تجاوز التحديات، وأن وحدة الصف العربي تبقى الركيزة الأهم للحفاظ على الأمن والاستقرار.
وفي ظل ما تشهده المنطقة من تحولات متسارعة تبقى الآمال معقودة على مزيد من التعاون والتضامن بين الدول العربية والإسلامية، بما يحقق مصالح شعوبها ويصون أمنها واستقرارها.
ونسأل الله أن يحفظ المملكة العربية السعودية، وأن يوفق خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي العهد الأمين الأمير محمد بن سلمان لما فيه خير البلاد والعباد، وأن يديم الأمن والاستقرار على المملكة وعلى سائر الدول العربية والإسلامية والعالم أجمع.