وهي أن الحكمة السياسية تبقى دائمًا الطريق الأقصر لحماية الاستقرار وصون مصالح الشعوب، فالشرق الأوسط عرف عبر تاريخه الحديث مراحل عديدة من التوتر.. غير أن ما ميّز كثيرًا من محطاته المفصلية هو وجود دولٍ أدركت أن الاستقرار ليس شعارًا سياسيًا فحسب، بل مسؤولية تاريخية.
وفي هذا السياق برزت دول الخليج العربي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، بوصفها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي، بما تنتهجه من سياسة تقوم على التوازن والهدوء وبعد النظر، وقد أثبتت التجربة أن المملكة
بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي ومكانة عربية وإسلامية تمضي -بحمد الله- في سياستها الخارجية وفق منهجٍ يقوم على تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، مع الحرص على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، إدراكًا منها أن التوتر لا يخدم مصالح الشعوب.. ولا يفتح أبواب المستقبل.
وفي ظل التطورات الأخيرة وما تبعها من رسائل دبلوماسية ومحاولات لاحتواء التوتر، تبرز تساؤلات مشروعة حول طبيعة المرحلة المقبلة في المنطقة، وحول مدى قدرة الخطاب السياسي على ترسيخ الثقة بين دول الجوار، فالاعتذار في السياسة لا تُقاس قيمته ببلاغة العبارات، بل بما يعقبه من خطوات تعزز الاستقرار وتؤكد احترام سيادة الدول، وفي المقابل تبدو المقاربة الخليجية أكثر اتزانًا، إذ تواصل دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التمسك بسياسة قائمة على حماية أمن المنطقة وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وهو نهج يعكس إدراكًا عميقًا بأن مستقبل الخليج يرتبط بالتعاون والتفاهم بين دوله، لا بالتصعيد أو المغامرات السياسية.
لقد كان الخليج عبر العقود الماضية نموذجًا لمنطقة استطاعت أن تجمع بين التنمية والاستقرار، وأن تبني منظومة تعاون اقتصادي وسياسي، جعلت منه أحد أكثر الأقاليم استقرارًا في العالم، وكان هذا الاستقرار ثمرة رؤية سياسية أدركت أن أمن المنطقة مسؤولية مشتركة، وأن حسن الجوار هو الأساس لأي مستقبل مستقر، ومن هنا فإن المرحلة الراهنة تتطلب قدرًا أكبر من التعقل السياسي، لأن الأزمات مهما بلغت حدتها تبقى عابرة إذا ما أُديرت بالحكمة والرؤية البعيدة.. كما أن الحفاظ على الاستقرار الإقليمي يظل هدفًا تتلاقى عنده مصالح جميع شعوب المنطقة.
وفي مثل هذه اللحظات الحساسة تبرز أيضًا مسؤولية الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، فالكلمة في زمن الأزمات ليست مجرد رأي عابر، بل قد تكون جسرًا للتهدئة أو سببًا في تأجيج التوتر؛ ولهذا فإن الخطاب المتزن والواعي يصبح ضرورة، لأن الاستقرار مسؤولية مشتركة تتطلب الحكمة في القول كما في القرار.
خاتمة
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي تختار الحكمة في إدارة الأزمات هي الأقدر على حماية استقرارها وصون مصالح شعوبها، وقد برهنت دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية أن سياسة الاتزان والحوار قادرة على أن تكون أكثر تأثيرًا من ضجيج التوترات العابرة، فالخليج اليوم ليس مجرد منطقة جغرافية، بل نموذج للاستقرار والتعاون الإقليمي، وهو ما يجعل أمنه واستقراره قضية تتجاوز حدوده لتلامس استقرار المنطقة بأكملها.
ويبقى الأمل دائمًا بأن تنتصر لغة الحكمة، وأن يدرك الجميع أن حسن الجوار ليس خيارًا مؤقتًا.. بل ضرورة تاريخية تفرضها الجغرافيا ويؤكدها المستقبل.