كنا في المقالتين السابقتين قد عرضنا مفهوم السببية عند ديفيد هيوم، ومحاولته اتخاذ منهج مختلف عن الغزالي والفلاسفة الميتافيزيقيين، وكيف أنه لم ينجز ما حاوله وسعى إليه، لا منهجيا ولا نتيجة.
وحاولنا في المقالة الثانية أن نسلط الضوء على مقاربة منهجية سابقة على الغزالي، وأصل منهجه ورؤيته، وهي مقاربة المتكلمين الإسلاميين للسببية في بعض جوانبها، ولكنها لم تأخذ حقها من التنبه والبحث.
وهذه المقالة الثالثة:
هيوم بين منطق المتكلمين وبراهين الفلاسفة
لقد أحدثت مباحث هيوم هزة عنيفة وصدمة علمية ووجدانية في الفكر الغربي، ولا سيما مبحثه في الفاهمة البشرية، ويكفي أن نذكّر بقول كانط/Immanuel Kant: «إن هيوم أيقظني من سباتي الدوغمائي». وقد بنى أساس مذهبه الفينومينولوجي انطلاقاً من مقولات هيوم في الذهنية والفكر البشريين. لكن من يقرأ فصول كتابه (هيوم) سيجد أنها لا تخرج عن طريقة المتكلمين وحجاجهم، ولن نطيل في التنظير والتقديم، بل سنعرض نماذج من فصل واحد فقط:
فحين يقول: «ليس في الأفكار المعروضة في الميتافيزيقا فكرة أكثر غموضًا ولبسًا من أفكار: القدرة، والقوة، والطاقة، والاقتران الضروري، التي علينا أن نتعامل معها في كل لحظة في جميع بحوثنا» [ص 93]. ويقول: «نحن نعلم، بالفعل، أن الحرارة تصحب باستمرار الشعلة، لكن ليس لدينا من المدى ما يكفي لتخمين الاقتران بينهما» [ص 95-96]، ثم يشرح: «إننا نحس بمجرد أمر من إرادتنا أنه يمكننا أن نحرك أعضاء بدننا، أو نوجه ملكاتنا، وأن فعل الإرادة يحدث حركة في أعضائنا أو يولد فكرة جديدة في مخيلتنا» [ص96]. وهذا عينه ما قاله أبو الهُذيل العلاف وجماعة من أصحابه: «إن الإرادة قد توجب الفعل»، واحتجوا بأن»الإنسان إذا أحدث الإرادة إلى أقرب الأماكن ليس يعدو أحد أمرين: إما أن يكون يجوز عليه الانصراف عنها إلى السكون أو إلى حركة أخرى…«[مقالات البلخي – ص 355]. ثم يشرعون يذكرون احتمالات السكون واحتمالات الإرادة فيها، ثم احتمالات السكون وما يعتريها من احتمالات الإرادة من عدمها.
وينقل أبو القاسم الكعبي عن المعتزلة في التوليد، فيقول:»وقد اختلفت المعتزلة في التوليد«[مقالات البلخي – ص 359]، ثم يذكر الأقوال المختلفة فيه: من الفعل المحدث في الغير، إلى الفعل الذي أوجبت أسبابه وحضرت، إلى الحركة والدفع والاصطدام وتوليد الحركة الثانية من الأولى، وغيرها التي لا تختلف عن أمثلة هيوم حول كرات البلياردو.
ونعود إلى هيوم، مرة أخرى، لنجده يقول:»إن حركة البدن تتبع أوامر الإرادة، ولدينا وعي بذلك في كل لحظة، لكن الوسائل التي تسمح، على نحو غريب جدًا، بتحقيق هذه العملية، والطاقة التي تمكن الإرادة من إنجازه، لا تزال بعيدة على أن نعيها بشكل مباشر، إلى درجة أنها تفلت أبدًا من أكثر أبحاثنا اجتهادًا«[ص 97].
ونُقل عن صالح قبة أنه:»مثلما ليس هناك ضرورة حتمية من احتراق الحطب اليابس بالنار عند اقترانهما، كذلك ليس هناك ما يمنع أن يحمل الإنسان جبلًا فوق ظهره، وأن في حصول ما هو من عادة الاحتراق عند اقتران الحطب بها، وفي عدم قدرة الإنسان على حمل الجبل، ليس يستحيل نقيضهما من عدم الاحتراق والقدرة على حمل الجبل«[مقالات البلخي – ص 360].
أما هيوم فيتحدث عن اتحاد النفس بالجسد، وكيفية تحكم إرادة النفس بهذا الجسد، فيقول:»هل يوجد في الطبيعة مبدأ أكثر غموضًا من اتحاد النفس بالبدن، ويسمح لجوهر روحي مفترض بأن يكون لديه هذا التأثير على جوهر مادي، ومن كون ألطف الفكر قادرًا على تحريك أغلظ المادة؟ فلو صرنا قادرين بأمنية خفية على أن ننقل الجبال.. لن تكون هذه السلطة الواسعة أكثر غرابة، ولا أكثر تجاوزًا لفهمنا«[ص 97]. وهذا ما كان قد قاله النظّام وأصحابه من أن الإنسان هو الروح»[و] هو شيء لطيف مداخل الجسم الكثيف، فقالوا: إن الروح هو الشيء الذي لا يجوز إلا أن يكون مستطيعًا بنفسه، لما من شأنه أن يفعله حتى تحل به آفة، والآفة هي العجز، وهي غير الإنسان«[مقالات البلخي، ص 301].
وإذا أراد هيوم أن يدلل على عجزنا عن إدراك جوهر القدرة ومعرفة حقيقتها، فإنه يلجأ إلى ألفاظ المتكلمين نفسها وعلى طريقتهم، إذ يقول عنها هي:»خارج متناول أي كائن سوى الكائن اللامتناهي«، و»نحن نحس فقط بالحادث، و«إن تحكم الذهن بنفسه محدودًا، وكذلك تحكمه بالبدن، وهذه الحدود لا تعرف بالعقل ولا بأي إلمام بطبيعة السبب والأثر»، و«لماذا تخذلنا القدرة في حالة من الحالات وليس في أخرى»، و«إن هذا التحكم سيختلف كثيرًا باختلاف الأوقات، فهل يمكننا أن نعطي علة لهذه الاختلافات سوى الخبرة؟» [ص100 – 101].
ونعود إلى مقالات البلخي لنجد عنده ما يتطابق مع ألفاظ هيوم وطريقة المعالجة؛ فينقل عن أبي الهذيل وبعض أصحابه قولهم: «إن الاستطاعة غير الإنسان، وهي عرض من الأعراض، وهي غير السلامة والصحة، وإنهم قالوا: الدليل على أنها غير السلامة والصحة أنا وجدنا الإنسان سليم الجوارح غير ذي آفة، وهو قادر على حمل خمسين رطلًا، ثم وجدناه في حال أخرى قادرًا على حمل مئة رطل، فهذا دليل على أنه قد حدث معنى كان الإنسان به مستطيعًا يحمل الخمسين الأخرى» [ص 302].
وإذ يقول هيوم عن الكائن الأسمى: «ليست لدينا أي فكرة عن الكائن الأسمى سوى تلك التي نتعلمها بالتفكير حول ملكاتنا الخاصة» [ص 106]. فهل هذا غير مبدأ قياس الغائب على الشاهد عند المعتزلة؟
كل ما يفعله هيوم أنه ينكر على المتكلمين والفلاسفة اللاهوتيين ردهم مبدأ القدرة والخلق إلى الله، ليستبدل بها تأكيد اللا أدرية (agnostic)، وكأنها اكتشاف نقيض للتفويض الإلهي، بينما أنه ليس إلا هو التفويض نفسه بألفاظ مختلفة، أي أن التناقض هو تناقض لفظي وحسب. وحين يقول: «فالجهل نفسه يحيلهم إذن إلى الخلاصة عينها، وهم يزعمون أن الله هو السبب المباشر…» [ص 104]. نعم إحالتهم إلى الله هو الجهل نفسه الذي اكتشفه هيوم فيهم، وأقر بنسبته إلى نفسه في مبحثه، فهو لم ينف مبدأ السببية كما شاع عنه، وإنما أنكر العلم بحقيقته، وقال بالتباس مفهومه، وسلم بوجوده المجهول، بل إن أبا الوليد ابن رشد (1226) ذكر أن الفلاسفة تقول شيئاً هو قريب من هذا في رده على أبي حامد الغزالي: «فلا يشك أحد من الفلاسفة في أن الإحراق الواقع في القطن، من النار مثلًا، لكن لا بإطلاق بل من قبل مبدأ من خارج هو شرط في وجود النار فضلًا على إحراقها، وإنما يختلفون في هذا المبدأ ما هو: هل هو مفارق، أو بواسطة بين الحادث والمفارق، سوى النار؟»[تهافت الفلاسفة – ص511]. بل أكثر من ذلك، فإن ابن رشد يقول القول عينه في معنى ما قاله هيوم؛ فهو يختم محاججته لمفهوم السببية عند الغزالي بقوله: «وكل واحد من الفريقين يدعي أن ما يقوله معروف بنفسه، وليس عند واحد منهم دليل على مذهبه» [نفسه – ص 520]، وهو يقصد بالفريقين: المتكلمين، الأشاعرة خاصة، الذين قالوا بنفي السببية، وأنها عادة، وقول الفلاسفة الذين قالوا بالسببية، واستمرار القانون وسريانه في طبيعة الأشياء، أي حين نرى ظاهرة غريبة فلأننا لا نفهم سببها، وليس لأنها خارقة للعادة، وقد نص على ذلك، فقال: «فلا يمتنع أن تقترن النار بالقطن مثلًا في وقت ما فلا تحرقه إن وجد هنالك شيء إذا قارن القطن صار غير قابل به للإحراق» [ص 519]. ويوضحه في مكان آخر: «فجهلنا نحن بالممكنات إنما هو من قبل جهلنا بهذه الطبيعة التي تقتضي له الوجود وعدمه. والوقوف على الغيب ليس هو شيء أكثر من الاطلاع على هذه الطبيعة. وحصول العلم لنا، فيما ليس عندنا به دليل، هو الذي يسمى للناس رؤيا، وللأنبياء وحياً» [ص 514]. وللتنويه والتنبيه، فإن هذا القول من ابن رشد هو نفسه ما شاع من مقولة هيغل: «إن ما هو عقلي متحقق بالفعل، وما هو متحقق بالفعل عقلي» [أصول فلسفة الحق – ص 86]، وهي العبارة التي صارت عند إنجلز: «كل ما هو موجود فهو عقلي، وما هو عقلي هو موجود بالفعل».
وقد سمّى ابن رشد القائلين بنفي السببية «فريقًا»، وهذا دليل على أن هذا النفي لا يقتصر على الغزالي، حيث بين هذا حين دلل على أن أبا المعالي الجويني (478 هـ) قد ذهب هذا المذهب: «ولذلك نجد مَن حذقَ في صناعة الكلام قد لجأ إلى أن ينكر الضرورة بين الشرط والمشروط، وبين الشيء وحدّه، وبين الشيء وعلته، وبين الشيء ودليله، وهذا كله تبحر في رأي السفسطائيين فلا معنى له، والذي فعل هذا من المتكلمين هو أبو المعالي» [ص 521]. وبالتأكيد فهو لا يقصد بالسفسطائيين أحدًا بعينه، وإنما قصده نعتًا لكل منحرف من مذهب أو قول، كما هي عادة المشتغلين بالفلسفة في إطلاق هذه التسمية. ولا ننسى أن ابن رشد ناقش الغزالي بوصفه متكلمًا لا فيلسوفًا، فيكون في إشارته إلى الجويني، أستاذ الغزالي، ما يدل على أن المريد مسبوق بشيخه، المسبوقِ بفريق من المتكلمين كما يبين من سياق محاججة ابن رشد.
يتبع..