وتولي أغلب المؤسسات اهتمامًا متزايدًا بمنظومة تقييم الأداء في إطار مفاهيم الحوكمة، والجودة، وتعزيز الكفاءة المؤسسية إلا أن الواقع العملي في بعض الجهات يكشف عن وجود فجوة بين ما تنص عليه الأنظمة وما يمارس فعليًا، حيث لا يزال التقييم في بعض بيئات العمل خاضعًا لاجتهادات شخصية أو قراءات غير مهنية، لا تعكس حقيقة أداء الموظف بقدر ما تعكس رؤية المُقيِّم نفسه، وتكمن الإشكالية الرئيسة في أن مهمة التقييم قد تُسند أحيانًا إلى قيادات إدارية تفتقر إلى الكفاءة المهنية أو النضج القيادي، أو لا تمتلك القدرة على قراءة الأداء بمعايير موضوعية وفي هذه الحالات لا يقاس الموظف بإنجازه الحقيقي أو أثره الفعلي في العمل، بل يخضع لحكم إداري قد يكون أقل خبرة أو إنجازًا أو فهمًا لطبيعة العمل، وهذا يحدث اختلال واضح في موازين العدالة الوظيفية وتبرز واحدة من أخطر صور الخلل الإداري، وهي أن يتحول الموظف المتميز من قيمة مضافة إلى مصدر قلق إداري، فيُواجَه بالتقليل من إنجازاته وتتجاهل جهوده، وتحميله مسؤوليات إخفاقات لا تقع ضمن نطاق مهامه. كما قد يُربط التقييم بعوامل شخصية أو انطباعات ذاتية لا بمعايير مهنية واضحة، فيفقد التقييم جوهره، ويتحول من أداة تطوير إلى وسيلة ضغط وكبح. وتتجلى مظاهر التقييم غير العادل في صور متعددة، منها محاسبة الموظف على آرائه أو مبادراته، أو منحه تقديرًا أقل من استحقاقه بدافع السيطرة أو الخوف من بروز الكفاءات. وهنا لا يعود التقييم وسيلة لتحسين الأداء بل أداة لإعادة إنتاج الرداءة داخل المؤسسة، وإقصاء الكفاءات القادرة على إحداث الفارق.
العدالة في تقييم الأداء لا تتحقق عبر النماذج الورقية أو الأنظمة الإلكترونية وحدها، بل تتطلب ثقافة إدارية واعية تؤمن بأن التقييم مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون إجراءً إداريًا، فالتقييم العادل يجب أن يستند إلى معايير معلنة، قابلة للقياس والتحقق، تشمل جودة الإنجاز والالتزام الوظيفي، والقدرة على تحمل المسؤولية، وروح المبادرة، والعمل بروح الفريق، بعيدًا عن المزاجية والانطباعات الشخصية. آثار التقييم غير العادل تنعكس بشكل مباشر على بيئة العمل، فالموظف الذي يشعر بالظلم يفقد دافعيته تدريجيًا، ويتراجع شعوره بالانتماء المؤسسي، وقد يصل إلى مرحلة الإحباط أو الانسحاب النفسي من العمل، وفي المقابل تخسر المؤسسة طاقاتها البشرية، ويتراجع مستوى الأداء العام مهما بلغت قوة أنظمتها ولوائحها، لأن العدالة هي الأساس الحقيقي للاستدامة المؤسسية. كذلك استمرار هذه الممارسات يرسّخ نموذجًا إداريًا مشوّهًا، تُكافأ فيه المجاملة أكثر من الكفاءة، ويُقدَّم فيه الصمت على المبادرة، ويُقصى فيه أصحاب الرأي والإنجاز، وهذا نموذج يتعارض بشكل مباشر مع مستهدفات التطوير المؤسسي، ومع التوجهات الوطنية التي تركز على تمكين الكفاءات، وبناء قيادات قادرة على إدارة التغيير لا مقاومته.
إصلاح منظومة تقييم الأداء يبدأ من إعادة النظر في تأهيل القيادات الإدارية، وربط صلاحيات التقييم بالكفاءة لا بالمنصب فقط، وتبني أساليب حديثة مثل التقييم متعدد المصادر، وربط نتائج التقييم بخطط تطوير واضحة وقابلة للتنفيذ، إضافة إلى تفعيل قنوات الاعتراض النظامية التي تحفظ للموظف حقه في مراجعة تقييمه بشفافية وعدالة. علينا أن ندرك أنه لا يمكن الحديث عن بيئة عمل عادلة ومنتجة دون منظومة تقييم أداء تُدار بوعي ومسؤولية. فالتقييم الذي يُمارس بغير إنصاف لا يظلم موظفًا واحدًا فحسب، بل يُضعف منظومة كاملة ويقوّض الثقة بين الإدارة وموظفيها، ويؤسس لثقافة وظيفية هشّة لا تنتج إلا التراجع، في زمن تتسابق فيه المؤسسات نحو مؤشرات الأداء والتميز المؤسسي. وتبقى العدالة الإدارية هي المؤشر الأصدق على نضج أي جهة عمل، فالمؤسسات التي تريد مستقبلًا قويًا لا تحتاج إلى مديرين يخشون تفوق من يعملون معهم، بل إلى قيادات ترى في الكفاءة قوة، وفي الاختلاف إثراء، وفي التميز فرصة لا تهديدًا، وحين يُدار تقييم الأداء بوعي وعدالة يصبح أداة بناء حقيقية، لا عبئًا صامتًا يدفع ثمنه الجميع.