كيف يخلق المدير المتسلط بيئة عمل سامة طاردة منفرة وهو يدرك؟ هل جرّب أحدنا يوما أن يعمل في بيئة لا تشبهه، ولا تمنحه الأمان، ولا تترك له مساحة ليكون نفسه؟
بيئة يتحول فيها اليوم الوظيفي إلى عبء ثقيل، لأن الخوف لا المسؤولية هو ما يدير تفاصيله؟ هذه ليست حالة فردية، بل تجربة يمر بها كثيرون عندما يسند زمام القيادة إلى مسؤول يرى السلطة امتيازًا، لا مسؤولية.
عندما يصبح المسؤول مصدر القلق… لا مصدر التوجيه
المشكلة ليست في المؤسسة ولا في سياساتها، بل في بعض ممن يتولون إدارتها.
مدير متقلب المزاج، سيئ الخلق، يكاد يرى السلام عيبا لا تبجيلا وأن الانضباط هو أن يعاقب الجميع بخطأ فرد، وأن الهيبة تبنى على حرمان الموظفين من أبسط حقوقهم، علاواتهم، زياداتهم السنوية محملا قسم الموارد البشرية مسؤوليتها لتلك الحقوق..
مسؤول يوبخ أحد الموظفين، على مرأى الجميع يحرمه من أبسط حقوقه الانفرادية، يتعالى صوته كزئير الأسد، يمنح الدورات التدريبية لا وفق الاستحقاق، بل وفق العلاقات ودرجة الود. ومصالحه الخاصة.
هكذا يتحول الموظف المبدع إلى شخص مهزوز، يخاف أن يخطئ وإذا أخطأ يأخذ في حسبانه أن ملائكة السماء تحتسب له من الكبائر لن يمر دون حساب أو توبيخ في نهاية السنة..
مسؤول يمنح لنفسه سلطة بتهديده بالفصل من وظيفته لا بسبب اعتداء ولكن بسبب تقصير تكون عواقبه أكبر من أن يفكر أن له عائلة يعتني بها ويعيلها..
النتيجة؟ منشأة تُدار كما لو كانت هواية شخصية… لا كيانا اقتصاديا.
في نهاية العام، يظهر المدير أو المسؤول أمام موظفيه وكأنه حكم نازل من السماء، يمنح التقييمات كما يشاء، ويشعر الكفاءات بأنها «لا تستحق» التقدير، لا يسمح للموظف أن يدافع عن نفسه وإن جادله كان في عداد المتهمين بالتقصير وبأنه عنصر ليس فاعلا بإدارته.
يتجاهل عملهم طوال العام، ويتعامل معهم كـ«قطيع» لا كعقول فاعلة.
وفي المقابل؟يفتح الباب واسعا لمن جاؤوا بالمعارف لا بالخبرات. تصبح العلاقة الشخصية مفتاح الترقيات والدورات والسفر والامتيازات، بينما تهمش الكفاءات الحقيقية التي بنيت عليها المؤسسة.
كيف تُدار منشأة ذات ثقل اقتصادي عندما تصبح المهنية خيارا، لا قاعدة؟ وكيف ينهض كيان مؤسسي على قرارات ارتجالية، ونرجسية قيادية، وثقافة قائمة على التسلط بدل التحفيز؟
الاستقالة ليست من «الوظيفة» بل من يدير الوظيفة
الدراسات الحديثة تقول: الموظفون لا يتركون أعمالهم… بل يتركون مديريهم.
المدير السيئ لا يخسر الموظفين فقط، بل يخسر الولاء، يخسر الإبداع، يخسر سمعة البيئات التي يديرها.يرحل الموظف المتميز، ويبقى من يجيد «المجاملة»، لا من يجيد «العمل».
رسالة إلى كل مدير ومسؤول:
القيادة ليست رفع الصوت بنبرة حادة، بل رفع مستوى الفريق وغرز الثقة والأمان بقلوبهم وتوجيههم لا الخوف منه، وليس من العدل أن تعاقب الجميع بخطأ واحد، بل أن تملك الحكمة في التفريق.
وليست الهيبة أن تخيف موظفيك، بل أن تكسب احترامهم، أما المهنية، فتنمو بالمساوة أو التوجيه وليس بالانتقائية.
الإدارة وظيفة أخلاقية قبل أن تكون منصبا. ومن اعتقد أن الموظف «تابع» سينسى أن هذا الموظف هو الذي يبني سمعة المؤسسة، ويصنع إنجازاتها، ويحافظ على كيانها.
ختاما.. المؤسسة التي يقودها مدير متسلط قد تستمر، لكنها لا تتطور. وتأكد أن سمعة المنشأة تتأثر بهؤلاء الأشخاص والإدارة التي تقصي الكفاءات ستدفع الثمن، عاجلا أم آجلا.
أما المدير الحقيقي، فهو من يجعل الموظفين يشعرون أنهم شركاء… لا محكومين. وأن مكان العمل ليس ساحة خوف، بل مساحة إبداع.